عندما تصبح الرذيلة وجهة نظر.. تصبح الحضارة وشيكة الانهيار ؟؟

عندما تصبح الرذيلة وجهة نظر.. تصبح الحضارة وشيكة الانهيار ؟؟

منى الغبين


اتفقت كلمة عقلاء الإنسانية على وضع قواعد للخير والشرّ والفضيلة والرذيلة , والذي يتولى مهمة صناعة وتشكيل الشخصية الإنسانية طبيعيا هم قادة المجتمع الإنساني ونخبته والتي تتولى هذه المهمّة وتنفّذها من خلال التعليم , والقدوة , والقانون , ويقاس رقي المجتمع وتخلفه بمنظومته الأخلاقية المبنية على وجهة نظره في الحياة أو العقيدة الأساسية التي تبنى عليها سائر المفاهيم والأفكار وضوابط السلوك الإنساني .
والإنسان كائن مزوّد بطاقة حيوية من غرائز وحاجات جسدية تجعله قابلا للسير في طرق متعددة بناء على الأفكار والمفاهيم التي يؤمن بها , ويعتقد أنّها تحقق له النفع أو تدفع عنه الضرر مع مراعاة أنّه فرد يعيش في مجتمع يوفّر له متطلبات الحياة التي لا يستطيع الاستقلال بتوفيرها فلذلك قيل أنّ الإنسان اجتماعي بطبعه , وبناء عليها فهو قد يسير صعدا في طريق الفضيلة والخير وقد ينحدر في طريق الشر والرذيلة , وقد يتخبّط بين الدربين صعودا ونزولا , ويكون الدور الحاسم لسلوك الإنسان هو مجتمعه والقائمون على رعاية هذا المجتمع , والمشرفون على منظومته القيميّة والأخلاقية , فالمجتمع والقائمون على شؤونه هم المسؤولون عن تربية الأفراد وتشكيل شخصياتهم تعليما وقدوة , وضبطا بالأنظمة والقوانين .
والأصل أنّ النخبة التي تقود المجتمع تكون جزءا من جنسه وتسعى لخدمته وتحقيق مصالحه فيكون دورها كدور الأب الراعي للأبناء , ولكن في غالب الأحيان تستأثر هذه النخبة بالثروة والقوة وتشيد سلطانا استبداديا متحكما قاهرا يريد سحق المجتمع ليظل خانعا ذليلا مستعبدا لتلك النخبة المستأثرة بكلّ شيء , فتنقلب تلك النخبة من خادم يخدم الشعب ويحقق مصالحه ويرعى شؤونه إلى قوّة غاشمة تسحق الشعب وتخضعه لإرادتها ومصالحها , وأول ما يغيب في هذه الحالة هو غياب الدور التربوي القائم على الخلق والفضيلة , ويحلّ محله ثقافة التضليل والخداع ومسخ الفطرة الإنسانية حتى تصبح تستطيب ما يستقذر , وتستعذب ما لا يستساغ , تستلذ الخبائث وتنفر من الطيبات , فيصبح المعروف منكرا , والفضيلة رذيلة وبالعكس .
وهذا الأمر لا يأتي هكذا دفعة واحدة فهو يبدأ بالتدريج , فالرذيلة في المجتمعات الإنسانية إجمالا هي مجرد شذوذ يستوجب فاعلها الاحتقار , والعقوبة , فإن ظهرت في قوم أو مجتمع ولم تردع تحوّلت إلى ظاهرة , ثمّ تتحوّل إلى ثقافة ومنهج حياة وخاصّة عندما يكون القائمون على المجتمع معنيين بنشرها لمسخ إنسانية الإنسان ليصبح عبدا خاضعا لهم بدون اعتراض أو استنكار .
والملاحظ أنّ المجتمعات العربية المعاصرة قد تعرّضت لسياسة إفساد ممنهجة أفضل من عبّر عنها وضّحها القس الصهيوني صموئيل زويمر في خطابه الذي ألقاه بطائفة من المبشرين في مؤتمرهم الذي عقد في القدس عام 1935م… (إلى نهاية النص كما ورد).

إنّهم أعدّوا بوسائلهم جميع العقول في الممالك الإسلامية إلى قبول السير في الطريق الذي مهدوا له كلّ التمهيد…

لقد أوصلوا الأمّة إلى حال لم تجعل الرذيلة مجرد وجهة نظر يدافع عنها فاعلوها , ولكنّها أسقطت الأمة في بحرها حتى أصبح الفساد طريقة عيش ونهج حياة…
وختاما فإنني لا أدري ما أقول , ولكن الذي أدريه أن حضارة وصلت إلى هذا الدرك فإنّها لن تبقى طويلا ؛ لأنّ الفطرة الإنسانية مهما تعرضت للتلويث فإنّ ذلك لا يورث فتولد الفطرة نقية وستثور يوما محطمة كلّ هذا الزيف …….
الإنسانية الآن تتخبط في مخاض لولادة جديدة , وتتحترق في أتون انعطاف تاريخي , وقد يطول هذا التخبط وقد يقصر لكن هذا الغثاء الذي يثير الغثيان لن يدوم طويلا ؛ لأنّ من فوائد النار التطهير …
إنّ سدنة معابد هذا الفساد وخدمه يلعبون في الوقت الضائع , وكبراؤهم يعرفون هذه الحقيقة لكنّهم يحاولون جاهدين تأخير السقوط الذي سيكون مريعا .

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى