
#تأملات_قرآنية
د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآيتين 88 و 89 من سورة الشعراء: “يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ”.
هاتان الآيتان هما جزء من دعاء ابراهيم عليه السلام، وجاء في نهاية حديث لقومه وهو يدعوهم الى الهدى وهم عنه معرضون، فدعا الله على مسمعهم أن ينجيه من الحزن والغم يوم الدين، الذي سيحل بمن خانوا فطرتهم الإيمانية، واتبعوا في حياتهم سبلا ومناهج حرفتهم عن صراط الله المستقيم.
أراد الله بإيراد هذا القول على لسان ابراهيم، ليبين لنا ما الذي ينفع الإنسان في ذلك اليوم العصيب، وينبهنا الى الإعداد له قبل فوات الأوان، فعلينا أن نعيه جيداً.
كل البشر موقنون ان تركهم الدنيا بما فيها أمر مؤكد، وانتقالهم الى ما بعد الموت نهائي لا عودة منه، ولأنه لا يوجد دليل واحد على فناء الإنسان، بل ان العلم التجريبي أثبت أن المادة لا تفنى، بل تتحول من حالة الى أخرى، ولما لم يعد أحد مات الى الحياة حتى يخبر بما وجده هناك، فالأحمق هو من يريد دليلا ماديا على وجود الحياة الأخرى، فذلك ما حجبه الله عنا ليمتحن إيماننا، فلو كان ذلك ممكنا ما كان أحد ليكفر راضخا، وانعدم التباين بين الصالحين والمنحرفين. فليس من مصدر معلومات عنه إلا الله.
ان الذي انتفع بعقله فهداه الى الإيمان، يصدق بكلام الله، ويأخذ وعده ووعيده على محمل الجد، لذلك يعد نفسه لهذا الأمر، فيتزود لحياته الأخرى، ويتجهز للقاء الله في ذلك اليوم الموعود.
تقريبا للصورة، لنتخيل شخصا حكمته ظروف قاهرة بالانتقال الى بلد لا يعرف عنه شيئا، إن كان فطنا، سيسأل عن العملة المتداولة هناك، فإن عرف أن العملة المحلية في بلده غير مقبولة هناك، فسيحول كل ما يملكه اليها، وإن لم يفعل، فسيكون هنالك مفلساً ولن ينفعه ولو كان مليونيرا في البلد الأول.
ولما كان الله تعالى قد أخبرنا أن العملة المقبولة في الآخرة لا شيء من متاع الدنيا من مال وولد وجاه ومنصب، بل هي ..القلب السليم، أليس من الحكمة ضمان توفر رصيد كاف منها قبل الإنتقال ؟ ..فما هو القلب السليم؟.
لقد خلق الله الإنسان سليما معافى، كاملا في عقله وجسده، لكنه حتى يدرك قيمة ذلك وأنه فضل من الله ولم يتحقق تلقائياً، فقد خلق العلل وأوجد لكل داء دواء.
هذه العلل منها ما يصيب الجسد ومنها ما يصيب النفس.
مسببات الأمراض الجسدية هي إما ممرضات هي كائنات دقيقة (بكتريا وفيروسات ..الخ)، لا يراها الإنسان حتى يتحوط من هجومها، ومنها خلل أو قصور في أداء وظائف الأعضاء كالسكري والجلطات والسرطان.
ولكل حالة جعل الله لها علاجا مادته موجودة في الطبيعة، منها ما توصل له الإنسان بفضل ما فتحه عليه من علم، ومنها لم يصله الى الآن.
أما علل النفس فقد سماها الله أمراض القلوب، مثل الحسد والطمع والجشع والكبر والخيلاء..الخ.
وشفاؤها ليس متوفرا في مكونات الطبيعة المادية، بل في القرآن الكريم، لقوله تعالى: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا” [الإسراء:82]، وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ” [يونس:57].
الأمراض الجسدية لم يجعلها الله عقابا للعصاة والظالمين، فهي تصيب المؤمن والكافر، إنما جعلها للمؤمنين ابتلاء لتمحيص الصابرين المحتسبين، فتكون لهم طهورا من الآثام والمعاصي، أما الكافرون فلا تزيدهم إلا خسارا.
لها علاجاتها، وسيشفى المرء بإذنه إن شاء، أو يكون مقدرا أن يكون أجله بسبب تلك العلة، لكنها في جميع الأحوال تنتهي بالموت، مثلها جميع الأمور الدنيوية، كالغنى والفقر، والذكاء والغباء، والوسامة والدمامة ..الخ.
الباقي لما بعد الموت هي أمراض القلوب، فمن لم يتعالج منها في حياته، حمل عواقبها الى حياته الأخرى، لذلك يأتي الله بقلب عليل مثقل بالمعاصي والذنوب.
الإستشفاء بالقرآن الكريم يكون لعلل القلوب، وليس العلل الجسدية، فتلك تعالج بالطب، وليس بقراءة القرآن على المريض والرقى والمسح بالماء على موضع الألم.
علاج أمراض القلوب تكون بتدبر القرآن وفهم معانيه وتطبيق توجيهاته، فيتحقق الصفاء والنقاء، ويغدو القلب سليما من الكبر والضغائن والأحقاد.
