
هل يمكن أن تصبح هناك #ضريبة على #النوافذ ؟
د. #أيوب_أبو_دية
عام 1696 في عهد الملك ويليام الثالث شهد بداية الفكرة في إنجلترا ، ثم تبنتها دول أخرى بطرق مختلفة، منها فرنسا واسكتلندا وهولندا. كانت الضريبة بسيطة في ظاهرها: كلما زاد عدد نوافذ المنزل، دفع مالك المنزل ضريبة أعلى. لكن هذه البساطة الظاهرية أخفت آثارًا اجتماعية وصحية عميقة، كان أبرزها حرمان الفقراء من حق أساسي متمثل في دخول الضوء والهواء إلى بيته، وبالتالي أدى إلى تراجع صحتهم وتدهور حالتهم النفسية.
كان السبب الرئيسي من ضمن أسباب فرض ضريبة النوافذ هو البحث عن إيرادات جديدة للدولة دون اللجوء إلى فرض ضرائب يعتبرها الناس مجحفة. إذ كانت إنجلترا حينها خارجة من سلسلة حروب، وكانت الدولة بحاجة إلى تمويل سريع ومستمر. لكن الضرائب المباشرة على الدخل أو الممتلكات كانت غير مرغوبة لصعوبتها، خاصة وأن سجلات الدخل لم تكن دقيقة. لذا لجأ البرلمان البريطاني إلى فكرة “بديلة”، وهي استخدام عدد النوافذ معيارًا للثروة. إذ كان الاعتقاد السائد أن البيوت الواسعة ذات النوافذ الكثيرة تابعة للأغنياء، وبالتالي فإن فرض ضريبة على النوافذ سيضمن عدالة نسبية.
كما أسهمت فكرة “الضريبة غير المباشرة” في تقليل الاحتجاجات، لأنها لا تُفرض على الأشخاص مباشرة، بل على تصميم المنازل. وكان بإمكان الأفراد نظريًا أن يتجنبوا الضريبة ببناء نوافذ أقل أو إغلاق بعض نوافذ الأبنية القائمة. لكن هذا “الخيار” سيتبين لاحقًا أنه غير واقعي، خاصة للفقراء الذين لا يملكون سوى بيوت صغيرة أصلاً.
كان من نتائج ضريبة النوافذ على المجتمع والبيئة العمرانية آثار اجتماعية وصحية عميقة. فمع ارتفاع قيمة الضريبة، لجأ كثير من الناس—وخاصة الطبقات الفقيرة والمتوسطة—إلى سدّ النوافذ بالطوب لتجنب الدفع. وانتشرت بذلك ظاهرة “النوافذ المغلقة” في المدن، ولا تزال آثارها المعمارية مرئية في بعض المباني الأوروبية حتى اليوم. وقد رأيتها بنفسي في بعض منازل دبلن عاصمة إيرلندا.
أدت هذه الممارسات إلى نقص الضوء الطبيعي والتهوية داخل المنازل. وفي عصر لم تكن فيه الكهرباء المتحركة مخترعة ولا التهوية الميكانيكية متوفرة، كانت النوافذ مصدرًا أساسيًا للهواء والدفء وضوء الشمس، وكلها عوامل مهمة للوقاية من الأمراض. لذلك ارتبطت ضريبة النوافذ تاريخيًا بزيادة انتشار الأمراض التنفسية والربو والالتهابات، خصوصًا في الأحياء الشعبية المكتظة.
كما ساعدت الضريبة في تعزيز التفاوت الطبقي. فقد تمكنت العائلات الغنية من دفع الضريبة والاحتفاظ بنوافذها، بينما اضطر الفقراء إلى العيش في بيوت مظلمة، باردة ورطبة، تحرمهم من أبسط مقومات الحياة الصحية الطبيعية. وبذلك تحولت الضريبة إلى شكل من أشكال “التمييز الطبقي بالإضاءة”، حيث أصبح الضوء امتيازًا وليس حقًا متاحًا للجميع.
لم يكن الفقراء قادرين على بناء بيوت كبيرة أو متعددة النوافذ. كانت بيوتهم أساسًا ضيقة وصغيرة. ولكن مع تنفيذ الضريبة، اضطروا أيضًا إلى سدّ نوافذ قليلة أصلًا. ولأن الضريبة كانت تُحتسب أحيانًا لكل نافذة فوق عدد معين، أصبح توفير “فتحة ضوء” إضافية يعدّ ترفًا لا يستطيع كثيرون تحمله.
وتشير مصادر ذلك العصر إلى أن بعض المنازل في لندن وباريس أصبحت مظلمة تمامًا من الداخل، وأن الأسر كانت تعتمد على الشموع أو فتحات صغيرة قرب السقف لإدخال الضوء. وهذه الفتحات ما زالت موجودة في بعض الفنادق القديمة، وقد رأيتها بنفسي في مدينة مانشستر البريطانية. كانت تلك الشموع بحد ذاتها تكلفة إضافية لا يستطيع الجميع تحمّلها، ما أدى إلى نشر ثقافة “الظلام الاقتصادي” الذي عاشه الفقراء لسنوات طويلة.
فما هي احتمالية فرض ضريبة مشابهة في عصرنا الحالي؟
رغم التقدم الكبير في التشريعات والحقوق الأساسية للإنسان، فإن احتمال ظهور “ضريبة نوافذ” مباشرة يبدو ضعيفًا جدًا. فالعالم يعترف اليوم بأن الضوء الطبيعي جزء من حق السكن، وأن الصحة العامة تتطلب وجود تهوية وإضاءة مناسبة.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في ظهور نسخ حديثة غير مباشرة من الفكرة. فقد نشهد في بعض الدول الفقيرة أو الغارقة في الأزمات الاقتصادية فرض ضرائب على نوع مواد واجهات المباني ومساحات الفتحات المعمارية والمسطحات المائية والخضراء. وقد يؤدي ذلك إلى تقليص المساحات الخضراء.
كما يمكن أن يظهر شكل آخر من “ضريبة الضوء” مع انتشار الأبراج السكنية الزجاجية العشوائية، حيث تحجب المباني الضخمة ضوء الشمس عن الأحياء المجاورة دون رقابة أو تعويض، كما تعكس الاشعاع الشمسي على المركبات والمارة. وأنا في الحقيقة مع ضريبة النوافذ في الأبنية التجارية تحديدا لأن تقليص مساحة الغلاف الزجاجي الخارجي يوفر في الطاقة المستهلكة في التدفئة والتبريد.
ختاما نقول إن ضريبة النوافذ بمثابة درس تاريخي عميق، يبين كيف يمكن لقرارات مالية طارئة تبدو بسيطة أن تتحول إلى كارثة اجتماعية وصحية طويلة الأمد. ومع أن تطبيقها بالمعنى الحرفي في عصرنا الحديث غير مرجح، إلا أن جوهرها، أي إمكانية جعل الضوء امتيازًا، ما زال قائمًا.



