عائد من هيرو شيما . . !

عائد من هيرو شيما . . !

موسى العدوان

التهديد باستخدام القنابل النووية، ظهر على السطح مجددا في السنوات الأخيرة، من خلال حربين على الأقل مازالتا مشتعلتين حتى الآن. الأولى في حرب روسيا على أوكرانيا، والثانية في حرب أمريكا على إيران، ولكن الأمور ما زالت تحت السيطرة بحذر.

ولكي نعرف مآسي هذه الحرب إن وقعت لا سمح الله، أرجو أن أبين من خلال أحد شهود العيان ما تعرضت له مدينة ” هيروشيما “اليابانية، بعد ضربها بالقنبلة الذرية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. أطلق على تلك القنبلة الاسم الرمزي (( Little Boy، والتي تعادل قوتها 15 ألف طن من مادة T. N. T المتفجرة.

مقالات ذات صلة

ففي كتابه بعنوان ” إني عائد من هيروشيما “، والذي صدر في المانيا خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي وتُرجم إلى عدة لغات، يصف الكاتب فيردناند جيجون كيف ألقيت أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما من الطائرة، باقتباس جزءٍ منه :

” . . . وبعد قليل ظهر ضوء النهار، وأخذت الشواطئ اليابانية في الاقتراب، وهناك على البعد، انعكست صورة الصخور على صفحة الماء، فأكسبته لونا قرمزيا، وزينت الشاطئ بإطار متعرج أبيض. ثم ظهر خليج باهر المنظر، في وسطه عدد كبير من التلال صغيرة الحجم. وقد أبرزت هذا الخليج الخضرة التي جعلته أكثر وضوحا وجلاء في الجنوب منه في الشمال. أما التلال فكانت تشكل مثلثا يكفي أن تتقدم الطائرة حتى تبلغ رأس ذلك المثلث، حيث تقع مدينة هيروشيما.

والآن صَحَتْ المدينة من نومها، إنها تشمخ بقامتها وسط الخضرة وصفرة التلال. وعلى متن الطائرة ساد صمت رهيب ولحظة حرجة، إن راكبيها لا يكادون يحسون أدنى دهشة. إنهم أقوياء في رجولة . . أقوياء . . بل أقوى من العالم كله. وتقترب يد الكابتن ( فيربي ) من مفتاح الانطلاق . . إنه يعرف تماما على أية صورة، وبأية سرعة مذهلة ستحدث المأساة . .

لقد استعاد في ذهنه تفاصيل الصورة مرارا وتكرارا. فإن هو ألقى القنبلة على بعد خمسة أو ستة كيلومترات من هيروشيما، وعلى ارتفاع عشرة آلاف متر، وبزاوية سبق له أن حسبها حسابا دقيقا مرات عديدة في أثناء القيام بتمريناته، فإنه سيصيب الهدف المقصود بدقة وبدون أدنى خطأ.

إنه بحاجة فقط أن يكمل الصورة التي أمامه، بالتفاصيل التي سبق أن درسها على مئات الصور، تلك الصورة التي التُقطت للمدينة من الجو، بما فيها من موانئ ومصانع. والآن أصبح مصير الإنسانية معقودا على لهب الخلايا الضوئية، وليس هناك إنسان يستطيع ان يتدخل لوقف هذا الزحف أو تحويل مجراه، ولا حتى ( فيربي ) نفسه الذي سيضغط بإصبعه على مفتاح الإطلاق.

ففي صبيحة يوم الاثنين 6 أغسطس / آب 1945، هبت نسمة خفيفة من نسمات البحر على خلجان هيروشيما، وأخذت هذه النسمة تمزق خيوط الضباب، وتكتسحها أمامها ناحية الغرب. وظنّ الناس آنذاك أن الطقس يبشر بيوم جميل . . ظنّوا هذا وهم يحيطون بأبواب منازلهم . . قبل أن يذهب كل منهم إلى عمله. وفجأة أخذت صفارات الإنذار تدوّي. غير أن أحدا لم يهتم بها . . وراح بعض الفضوليين، يتطلعون إلى البحر، ويبحثون في الأفق عن طائرات محلّقة فوق رؤوسهم.

وهكذا اعتاد الناس، فالكل يعرف أن الطائرات تحلّق في السماء، ولا تلبث أن تواصل الطيران في طريقها دون أن تهتم بتلك المدينة – هيرو شيما – إلاّ أنه في هذه المرة ظهرت طائرة بمفردها، وكانت تحمل الرقم B 29 لم يتطرق لذهن إنسان، أن هيرو شيما . . المدينة التي لم يعرْها أي طيار أمريكي حتى ذلك الوقت أي اهتمام، تكون اليوم هدفا لهجوم جوي أمريكي.

وفي الثانية التي انفجرت فيها القنبلة، تكاثفت الأعاصير والرياح فوق هيرو شيما، من كل اتجاه بقسوة وعنفوان. لقد كانت اشبه ما تكون بالصفعات المتلاحقة، تنهال على سكان هيروشيما، الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف نسمة.

فلم تكتفِ بأن جردتهم من ثيابهم الخارجية، بل انتزعت ملابسهم الداخلية عن اجسامهم وطرحتهم أرضا، بينما تساقطت عليهم قطع الزجاج وعيدان الغاب. ثم جاء التراب فغطى أجسادهم العارية، وما لبثت الريح أن أزاحته أمامها بقوة، وكأنها طلق ناري يمزق الجلد في غمضة عين. وارتفعت سحب من الأتربة ودارت حول نفسها متكاثفة في ظلمة حالكة، وغطت المدينة وكأنها مظلة سوداء.

وأخذ الناس يتحسسون الجدران التي كانوا يسمونها منازل، والمحلات في الأركان، وأعمدة النور، ومركبات الترام. ومن جديد تصفعهم الأعاصير المحملة بالأتربة الكثيفة، حاملة معها مئات الملايين من الجسيمات الإشعاعية. وكأنه قد رُكّبت في كبد السماء مروحة شافطة، تسحب التربة إلى الأعلى وتدفع بها إلى السماء بسرعة خاطفة، تتخذ في النهاية شكل الفراء الذي أصبح يمثل للناس رمزا للموت الذري.

وكانت هذه السحب الذرية تنتزع الهواء إلى أعلى بعنف، يجعل المباني تغوص في الأرض ثم تنهار، وكأنما صُنعت من ورق. أما الأطفال – وما أتعس حظهم – فقد شوهدوا يتطايرون في الهواء ثم يرتطمون بالأرض. إنها لدوامة رهيبة خرجت إلى حيّز اللامعقول. . ! “. انتهى الاقتباس.

* * *

التعليق :

كان هذا فعل القنبلة الذرية قبل ما يقارب 81 عاما، عندما كانت تكنولوجيا الطاقة في بداياتها. واليوم وفي عصر التقدم العلمي الكبير، والتكنولوجيا المتطورة في الطاقة النووية، أصبحت قوتها التدميرية هائلة تعادل أضعاف القنبلة الذرية، فضلا عن أية اختراعات سرية لم يكشف الستار عنها حتى الآن.

وإذا ما جرى استخدام هذا السلاح في الحرب الحديثة بالضربة الأولى والرد عليها بالضربة الثانية، سواء على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، فقد ينتشر استخدام ذلك السلاح، من قبل الدول العظمى رغم تحريمه دوليا، مما قد يشكل بدءا للحرب العالمية الثالثة.

ختاما . . أرجو الله أن ينقذ البشرية من هذا الشر المستطير، الذي تملكه الدول العظمى وتهدد به العالم بين حين وآخر. وأن يجنبنا خطأ مقصودا أو غير مقصود في الحسابات، تكون نتيجته تدمير البنى التحتية، وفناء البشر في المناطق المضروبة وما حولها، وإصابة الأحياء بالتشوهات الجسمانية، بتأثير إشعاعاتها النووية عن قرب وعن بعد . . !

التاريخ : 30 / 4 / 2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى