التاريخ الأسود

التاريخ الأسود

د. هاشم غرايبه

يسجل التاريخ الإنساني للأوروبيين دورا مشرفا في مجال التطور الصناعي والطب وغيرها من وسائل التقدم، واختراع العديد من وسائل تحقيق الرخاء وظروف المعيشة التي نفعت البشرية، لكن هنالك تاريخ حالك السواد فيما جروه على البشرية من ويلات ومصائب جراء حروبهم الشرسة، بسبب أطماعهم، التي لم يسلم من ويلاتها أي شعب من شعوب الأرض.
من أقذر تلك الحروب ما سميت بحروب الأفيون الثلاث، التي شنتها بريطانيا ودول أوروبية أخرى ضد الصين بدءا من عام 1839، في حين كانت الامبراطورية الصينية في أوج ازدهارها، لذلك أراد الغرب تدميرها من داخلها بنشر الادمان على المخدرات في أوساط شعبها.
كان السبب الرئيسي لاندلاع الحروب، هو محاولة الصين التصدّي لتجارة الأفيون التي كان يمارسها التجار الإنجليز بشكل غير مشروع بين الهند والصين من خلال “شركة الهند الشرقية” المملوكة لبريطانيا، والتي كانت تحتكر التجارة مع الصين آنذاك، ومع تنامي تجارة الأفيون بشكل كبير اعتباراً من عشرينيات القرن الثامن عشر، كان التصدّي الصيني بمثابة دافع لبريطانيا من أجل البدء بحرب هي الأقذر في التاريخ بسبب الأرباح الكبيرة التي كانت تجنيها من تجارة الأفيون مع الصين.
ومع تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في الصين جراء انتشار تعاطي الأفيون بين أفراد الشعب، أحرقت الحكومة الصينية في عام 1839 مخزناً ضخماً من الأفيون كان التجار الإنجليز يخزّنونه في إقليم غوانغزو.
أعلنت بريطانيا، التي كانت في أوج قوتها، الحرب على الصين من أجل إعادة فتح الأبواب أمام حركة تجارة الأفيون المربحة، وأرسلت على الفور سفنها الحربية لضرب حصار بحري مقابل مصبّ نهر اللؤلؤ في هونغ كونغ.
ودامت الحرب حتى عام 1842 حيث تمكن البريطانيون من احتلال “نان جينغ” ، فجرت مفاوضات اختُتمت بالتوقيع على اتفاقية “نان جينج”.
وبموجب أحكام الاتفاقية، كانت الصين مطالَبة بدفع تعويض كبير لبريطانيا، والتنازل لها عن جزيرة هونج كونج، وزيادة عدد الموانئ المخصصة للإنجليز من ميناء واحد إلى خمسة من بينها ميناء شنغهاي.
في منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر، وبينما كانت حكومة الصين منشغلة بقمع تمرّد “تايبينغ” بين عامي 1850 و1864، وجدت بريطانيا في ذلك الفرصة في إشعال صراع جديد مع الصينيين من شأنه توسعة نفوذهم التجاري.
فقامت البحرية البريطانية بقصف كانتون، وأشعلت مناوشات مع القوات الصينية، تلا ذلك توقف التجارة، وقام الصينيون بإحراق معامل التجارة البريطانية ومستودعاتها، ما أدى إلى تصاعد التوتر.
من جانبهم، قرر الفرنسيون الدخول على الخطّ والانضمام إلى الحملة البريطانية، متخذين من حادثة مقتل مبشّر فرنسي أوائل عام 1856 على الأراضي الصينية، ذريعةً لدخول الحرب.
وهكذا بدأ الحلفاء عملياتهم العسكرية، وتمكنوا من الاستيلاء على مقاطعة كانتون وتعيين حاكم عميل لهم عليها.
وفي عام 1858، نجح الحلفاء بالوصول إلى مدينة “تيانجين” وإجبار الحكومة الصينية على الموافقة على معاهدة “تيانجين”، التي نصّت على تشريع تجارة الأفيون وجعلها قانونية، ودفع الصين تعويضات كبيرة للحلفاء، وتأمين إقامة المبعوثين الأجانب في بكين، وفتح العديد من الموانئ الجديدة للتجارة، والسماح للمسافرين الأجانب والمبشّرين بالدخول إلى عمق الأراضي الصينية.
لكنّ الحكومة الصينية رفضت التوقيع عليها، فشن الحلفاء حملة عسكرية اعتبرت حرب الافيون الثالثة، وتمكنت من دخول بكين في 1860وإحراق القصر الصيفي للإمبراطور.
على إثر ذلك، وُقّعت معاهدة بكين التي أقرّت بشروط معاهدة “تيانجين” وسلّمت جنوب شبه جزيرة كولون، لتُلحق بهونغ كونغ التي بقيت خاضعة للسيطرة البريطانية حتى تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تُعاد للصين مع استمرار احتفاظها بوضع خاص.
من ناحية أخرى، نشر رئيس لجنة في الكونغرس الأمريكي مؤخرا، أنه وفي زمن أيام الاحنلال الأمريكي لأفغانستان، وبعد نشر معلومة أن 93% من زراعة الأفيون عالميا تتم في افغانستان، قام برحلة بحثية اليها، وتبين له أن من يمول تلك الزراعة ويشجع عليها هم الأمريكان، وذلك لأن المنتج يصدر بكامله الى روسيا وإيران!، ومن مصلحة الغرب إغراق هاتين المنطقتين بالمخدرات، فهي الآفة التي تنخرها من الداخل، وتدمر مجتمعاتها.
ذلك يفسر لنا أيضا صمت أمريكا سنوات طويلة عن قيام نظام بشار الأسد البائد بتصنيع وتهريب حبوب “الكبتاجون” المخدرة الى الأقطار العربية المجاورة وخاصة الخليجية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى