
من كلّ بستان زهرة – 115 – ماجد دودين
تزوجت اثنتين
أحل الإسلام الزواج مثنى وثلاثَ ورباعَ بشرط العدل، وهو أمر ليس باليسير، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ- النساء 129، لهذا كان التنبيه والأمر الإلهي:
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً- النساء،3.
ظل الحديث عن الزواج بأكثر من واحدة مجالاً للفكاهة في بعض المجالس- من جهة، وموضوعًا للنقاش الجادّ من جهة أخرى بين مؤيد ومعارض، وناوٍ على خير/ شر، وخائف، ومتسائل..
والأمر ليس جديدًا، فقد دعا إليه وحث عليه رجال، بينما حذّر منه آخرون.
غير أن حديثي هنا عن الشعر، وكيف وصف هذا الشاعر القديم الزواج باثنتين، وكيف عارضه الشعراء المحدَثون.
لنبدأ بالقصيدة المشهورة الواردة في أمالي القالي:
“قيل لأعرابي: من لم يتزوج امرأتين لم يذق حلاوة العيش. فتزوج امرأتين،
ثم ندم، فأنشأ يقول:
تَزَوَّجْتُ اثنتينِ لِفَرْطِ جَهْلِي بِمَا يَشْقَى به زَوجُ اثْنتينِ
فقلتُ أصيرُ بينهما خروفًا أُنَعَّمُ بين أَكْرَمِ نَعْجَتَيْنِ
فصِرْتُ كَنَعْجَةٍ تُضْحِي وتُمْسِي تُدَاوَلُ بينَ أَخْبَثِ ذِئْبَتَيْنِ
رِضَا هَذِي يُهَيِّجُ سُخْطَ هَذِي فَمَا أَعْرَى مِنَ احْدَى السُّخْطَتَيْنِ
وأَلْقَى في المعِيْشَةِ كُلَّ ضُرٍّ كَذَاك الضُّرُّ بينَ الضَّرَّتَيْنِ
لهذي ليلةٌ ولتلكَ أُخْرى عِتَابٌ دَائِمٌ في الليلَتَيْنِ
فإنْ أَحْبَبْتَ أنْ تَبْقَى كريمًا مِنَ الخيراتِ مَمْلُوءَ اليَدَيْنِ
وتدركَ مُلْكَ ذِي يَزَنٍ وعَمْرٍو وذي جَدَنٍ ومُلْكَ الحَارِثَيْنِ
ومُلْكَ المُنْذِرَيْنِ وذِي نُوَاسٍ وتُبَّعٍ القَدِيمِ وذِي رُعَيْنِ
فَعِشْ عَزَبًا فإنْ لم تَسْتَطِعْهُ فَضَرْبًا في عِرَاضِ الجَحْفَلَيْنِ
)أبو عليّ القالي: الأمالي ج2، ص 34(
شرح عجز البيت الأخير: عراض: مصدر عارض الجحفل معارضة وعِراضًا إذا التقيا، يقول تعرّضْ للموت والشهادة كي تستريح.
من معارضة لأبي رُواحة عبد الله بن عيسى الموري:
تزوجْتُ اثنتين لحسْن حظِّي بمـا يسلـو بـه زوجُ اثنتين
لهذي ليلـةٌ ولتلك أخرى سـرورٌ حـاصِـلٌ في الليلتين
رضا هذي يحسِّنُ فِعْل هذي فأحظـى بالسعـادة مـرتين
فعشتُ مدلَّلاً بالودِّ أبقى أنعَّمُ بين ألْـطـف زوجتين
فإنْ سافرتُ عدْتُ على هيام لأقطِفَ زهـرةً من زهرتين
هما سَكَنُ الفؤاد ودِفْءُ عيشي هما نورُ الحيـاة ومِلْءُ عيني
فأمْـرُ الله بالإنكاح شرْعٌ بما قد طابَ من أصْلٍ ودينِ
فذلك كلُّـه خير وأبقى وعنـد الله نيـلُ الحُسْنيين
في كتاب نزهة الأبصار في أخبار ملوك الأمصار وهو كتاب عظيم المقدار، أن بعض الملوك مر بغلام هرب، وهو يسوق حماراً غير منبعث وقد عنف عليه في السوق، فقال: يا غلام! أرفق به،
فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرة عليه، قال: وكيف؟! قال: يطول طريقه ويشتد جوعه، وبالعنف به إحسان إليه. قال: وكيف ذلك؟ قال: يخف حمله، ويطول أكله فأعجب الملك بكلامه.
وقال: قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور، وواهب مشكور،
قال: قال الملك: وقد أمرت بإثبات اسمك في حشمي. قال: كفيت مؤنة ورزقت مؤنة.
فقال له الملك: عظني فإني أراك حكيماً،
قال: أيها الملك إذا استوت بك السلامة فجدد ذكر العطب , وإذا هنأتك العافية فحدث
نفسك بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية العمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعلن لها في الإساءة نصيباً
فأعجب الملك بكلامه وقال: لولا أنك حديث السن لاستوزرتك.
فقال: لن يعدم الفضل من رزق العقل.
قال: فهل تصلح لذلك.
قال: فإنما يكون المدح والذم بعد التجربة، ولا يعرف إنسان نفسه حتى يبلوها
فاستوزره فوجده ذا رأي صائب وفهم ثاقب ومشورة تقع موقع التوفيق.
من أمثال العرب (كمجير أمّ عامر)
خرج قوم إلى الصّيد في يوم حار، فبينما هم كذلك إذ عرضت لهم أمُّ عامر، وهي الّضّبُعُ، فطاردوها.
فأتعبتهم حتى ألجأوها إلى خباءِ أعرابي، فاقتحمته، فخرجَ إليهم الأعرابي فقال: ما شأنكم؟
فقالوا: صيدُنا. وطريدتُنا.
فقال: كلا، والذي نفسي بيده لا تصلون إليها ما ثبت قائم سيفي بيدي.
فرجعوا وتركوه.
فقام إلى لَقْحَة له فحلبها وقرّب إليها ذلك، وقرّب إليها ماءً.
فأقبلت مرةً تلغ من هذا ومرة تلغ من هذا، حتى عاشت واستراحت.
فبينما الأعرابي نائم في جوف بيته إذ وثبت عليه فبقرت بطنَه وشربتْ دمه وتركته، فجاء ابن عم له، فوجده على تلك الصّورة، فالتفتَ إلى موضع الضبع، فلم يرها.
فقال: صاحبتي والله.
وأخذ سيفه واتّبعها، فلم يزل حتّى أدركها فقتلها، وأنشأ يقول هذه الأبيات:
وَمَنْ يَفْعَلْ الْمَعْرُوفَ مَعَ غَيْرِ أَهْلِهِ يُلَاقِ الَّذِي لَاقَى مُجِيرُ أُمِّ عَـامِـرِ
أَدَامَ لَهَا حِـيـنَ اسْـتَـجَـارَتْ بِـقُـرْبِهِ قَـرَاهَا مِـنْ أَلْـبَـانِ اللِّقَاحِ الْغَـزَائِـرِ
وَأَشْــبَــعَـهَــا حَـتَّـى إذَا مَـا تَـمَـلَّأَتْ فَــرَتْــهُ بِـأَنْـيَـابٍ لَــهَــا وَأَظَـافِــرِ
فَقِيلَ لِذِي الْمَعْرُوفِ هَذَا جَزَاءُ مَنْ غَدَا يَصْنَعُ الْمَعْرُوفَ مَعَ غَيْرِ شَاكِرِ
من كلّيات الأفعال
كُلُّ شَيْءٍ جاوزَ الحدَّ: فقد طَغَى.
كُلُّ شَيْءٍ تَوَسَّعَ: فقد تَفَهَّقَ.
كُلُّ شَيْءٍ عَلا شَيْئاً: فقد تَسَنَّمَهُ.
كُلُّ شَيْءٍ يَثُورُ للضَّرَرِ يقال له: قد هاجَ. (كما يقال: هَاجَ الفَحْلُ، وهَاج به الدَّمُ، وهَاجَت الفِتْنَةُ، وهَاجَتْ الحَرْبُ، وهَاجَ الشَّرُّ بين القوم، وهاجت الرّياحُ الهُوجُ)
(من كتاب فقه اللّغة للثعالبي رحمه الله تعالى)
كان من عادة العرب أن البنت إذا نشأت ونبتت في بيت كريم أن تخلو الأم بابنتها قبل تحوّلها إلى بيت زوجها وتبيّن لها ما ينبغي أن تكون عليه من خلق في معاملة زوجها. ومن ذلك أن عمرو بن حجر الكندي لما خطب ابنة عوف بن محلّم الشيباني، خلت بها أمّها قبل أن تُزفَّ إليه وقالت لها:
“أي بنيّة، أنتِ فارقتِ بيتك الذي خرجتِ منه، وعشكِ الذي درجتِ فيه، إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمةً يكن لك عبدًا، واحفظي له خصالًا عشرًا يكن لك ذخرًا:
أما الأولى والثانية فالقناعة وحسن السمع والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت نومه وطعامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة فالاحتراس بماله والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.
وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصيّن له أمرًا، ولا تفشين له سرًا، فإنك إن خالفتِ أمره أوغرتِ صدره، وإن أفشيتِ سره لم تأمني غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهمومًا، والكآبة بين يديه إذا كان فرحًا.
شك الأصمعي في لفظ الفعل استخذى (أي خضع)
وأحب أن يستثبت: أهي مهموزة أم غير مهموزة؟
قال: فقلت لأعرابي:
أتقول استخذيتُ أم استخذأتُ؟
قال: لا أقولهما!
فقلت: ولم؟
قال: لأن العرب لا تستخذي ” أي لا تخضع “
رحم الله ذلك زمانا كان فيه العربي يرفض أن ينسب له الخضوع حتى لفظا.
قال لقمان لابنه: يا بنيّ من أرضى والديه فقد أرضى الرحمان، ومن أسخطهما فقد أسخط الرحمان، يا بنيّ إنما الوالدان باب من أبواب الجنّة فإن رضيا مضيت إلى الجنّات، وإن سخطا حُجبت).
يقول تعالى: (( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ))
يا له من دين عظيم! غاية العدل، وغاية الإنصاف، والدان يجاهدان ولدهما على أن يعصي الله بأعظم معصية، وهو الشرك ومع ذلك يقول الله: فَلَا تُطِعْهُمَا، ولم يقل بعد ذلك: وعقهما، أو حتى وأعرض عنهما، وإنما قال: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا.
عن سعد بن أبي وقاص t قال: “كنت رجلًا بارًّا بأمي فلما أسلمت، قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتعير بي؟ فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أمه، فإني لا أدع ديني لشيء، فمكثت يومًا وليلة لم تأكل، فأصبحت وقد جهدت، ثم مكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت وقد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمي والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي فأكلت”
فأمر الله سبحانه وتعالى حتى مع أمر الوالدين بالمعصية بالإحسان إليهما: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:15
