حين نحوّل النّعم إلى نقم

حين نحوّل النّعم إلى نقم

ماجد دودين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نتوقّف اليوم أمام ظاهرة غريبة ومُقلقة انتشرت في مجتمعاتنا ومجالسنا بين الناس، ألا وهي ظاهرة التذمّر والتسخّط من الحياة. ظاهرة أصبحت تملأ جلساتنا، وتحول أوقاتنا الجميلة إلى مجالس شكوى وحسرة وهمّ.

مقالات ذات صلة

أولاً: ملامح الظاهرة

إننا نرى في كثير من المجالس -وللأسف الشديد- أناساً يتنافسون في عرض شكاواهم: شكاوى عن الزواج، وعن البيوت، وعن الأولاد، وعن قلة المال، وعن ثقل الهموم، وعن المشاكل والأمراض. كأنها مسابقة مَن أكثر إظهاراً للتعاسة والألم!

والمؤلم أن البعض يتخذ هذه الشكاوى وسيلة لكسب شفقة الآخرين، أو بدعوى الخوف من العين والحسد، فيظل يردد: تعبنا، ومرضنا، وضاقت بنا الدنيا، ولا خير في العيش… فينشر السلبية أينما حلّ وارتحل.

ثانياً: ماذا نسينا؟

في خضم كل هذا التذمر، نسوا -أو تناسوا- حديث رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي يجمع الدنيا كلها في كلمات معدودات. فقد قال عليه الصلاة والسلام:

“مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا” (رواه الترمذي).

نِعَمُ اللهِ سبحانه وتعالى على عِبادِه كثيرةٌ لا تُحصَى، والرِّزقُ مُتعدِّدٌ متنوِّعٌ؛ فليس الرِّزقُ مَحصورًا في المالِ فقط، وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مُعلِّمًا أصحابَه وأُمَّتَه مِن بَعدِهم: “مَن أصبَح مِنكم”، أي: أيُّ عبدٍ كان: “آمِنًا في سِرْبِه”، أي: توفَّر له الأمانُ على نفْسِه أو على أهلِه وجَماعتِه، وقيل: السِّربُ هو السَّبيلُ أو الطَّريقُ، وقيل: البيتُ، “مُعافًى في جسَدِه”، أي: تَحصَّلَت له العافيةُ في الجسَدِ فسَلِم مِن المرَضِ والبلاءِ وكان صَحيحًا، “عندَه قوتُ يومِه”، أي: وتوفَّر له رِزقُ يومِه وما يَحتاجُه مِن مَؤونةٍ وطعامٍ وشرابٍ يَكْفي يومَه، “فكأنَّما حِيزَتْ له الدُّنيا”، أي: فكَأنَّما مَلَك الدُّنيا وجمَعها كلَّها؛ فمَن توَفَّر له الأمانُ والعافيةُ والرِّزقُ لا يَحتاجُ إلى شيءٍ بعدَ ذلك، فكان كمَن ملَك الدُّنيا، وجمَعها، فلا يَحتاجُ إلى شيءٍ آخَرَ، وعلى العبدِ أنْ يحَمْدَ اللهَ تعالى ويشُكرَه على هذه النِّعمِ.

تأمل معي! هل هناك أجمل من قلب راضٍ ولو بالقليل؟ أسقف تسترنا، وطعام يملأ مطابخنا، وثياب تملأ خزائننا، وأمن وأمان يحتوينا.. تُرى ماذا نريد بعد؟ وإلى أين نريد أن نصل؟ نملك الكثير، ولا زلنا نسخط ونتذمر!

ثالثاً: عبرة من القرآن الكريم

لقد حذّرنا الله تعالى من هذا السلوك في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

إنها سنة ربانية ثابتة: بالشكر تدوم النعم، وبكفرها وجحدها تزول وتتحول إلى نقم.

رابعاً: حقائق علمية وروحانية

نسي هؤلاء القول المأثور “لا تمارضوا فتمرضوا فتموتوا”، فكثرة التمارض والتشكي يُضعف المناعة النفسية والجسدية، ويؤدي إلى المرض حقيقة.

ونسوا أنّ مَن يُكثر الشكوى والتسخّط، يجلب لحياته السخط وتزول عنه النعم. فالهموم من سنن الحياة، لكن الذين يحفظون ألسنتهم من الشكوى هم الذين تبقى نعمهم ثابتة.

خامساً: قاعدة السعادة

على قدر رضاك بحياتك، تكن سعادتك. فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط.

قال صلى الله عليه وسلّم: “إنَّ عِظمَ الجزاءِ مع عِظمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتَلاهم، فمَن رَضي فله الرِّضَى، ومَن سخِط فله السَّخطُ.”

مِن حِكمةِ اللهِ تعالى أنَّه يَبتلِي عِبادَه ويختبرُهم؛ ليَعلمَ المؤمِنَ المطيع الراضي من العاصي الساخط، والبلاءُ يَكونُ بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، وفي هذا الحَديثِ يقولُ الرَّسولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “إنَّ عِظَمَ الجَزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ”، أي: كلَّما كَثُر وزاد البلاءُ زادَتِ الحسَناتُ في مُقابِلِ ذلك، ثمَّ بيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أسبابَ البَلاءِ، وأنَّها دَليلُ خيرٍ، إنْ قُوبِلَت بالرِّضا، فقال: “وإنَّ اللهَ إذا أحَبَّ قومًا ابتَلاهم”، أي: اختَبرهم بالمِحَنِ والمصائبِ، “فمَن رَضِي فله الرِّضا”، أي: مَن قابَل هذه البلايا بالرِّضا، فسيَرْضى اللهُ سبحانه وتعالى عنه، ويَجْزيه الخيرَ والأجْرَ في الآخِرَةِ، وقد يُفهَمُ منه أنَّ رِضا اللهِ تعالى مَسبوقٌ برِضا العبدِ، ومُحالٌ أن يَرضى العبدُ عن اللهِ إلَّا بعد رِضا اللهِ عنه، كما قال: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119] ، ومحالٌ أن يَحصُلَ رِضا اللهِ ولا يَحصُلَ رِضا العبدِ في الآخِرةِ، كما قال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27، 28] ؛ فعَن اللهِ الرِّضا أزَلًا وأبدًا، سابقًا ولاحقًا.

“ومَن سَخِط فله السُّخطُ”، أي: مَن قابَل هذه البلايا بعَدَمِ الرِّضا؛ مِن كُرهٍ لوُقوعِها وسَخَطٍ، فإنَّه يُقابَلُ بمِثلِ ذلك، وهو أن يَغضَبَ اللهُ عليه، فلا يَرضَى عنه، وله العِقابُ في الآخرةِ؛ وذلك أنَّ المصائِبَ والعِللَ والأمراضَ كفَّاراتٌ لأهلِ الإيمانِ، وعُقوباتٌ يُمحِّصُ اللهُ بها مَن شاء مِنهم في الدُّنيا؛ لِيَلقَوْه مُطهَّرين مِن دنَسِ الذُّنوبِ في الآخرةِ، وهي لأهلِ العِصْيانِ كُروبٌ وشَدائِدُ وعذابٌ في الدُّنيا، ومع عدَمِ رِضَاهُم وتَسليمِهم لقضاءِ اللهِ فلا يكونُ لهم أجرٌ في الآخرةِ.

ولا تظن أن حياة الآخرين أفضل منك، فقد يمرون بظروف أصعب، وحياة أسوأ، ولكنهم حفظوا ألسنتهم من الشكوى. الفرق ليس في الظروف، إنما في النظرة والرضا.

السادسة: نصيحة لكل منا

لا تحبط الآخرين بكلامك، حتى ولو كنت ترى الحياة تعيسة. فغيرك يحتاج إلى الأمل، ولا تنشر سلبيتك لغيرك. عالجها في نفسك، أو اجعلها لا تتعدى دائرتك الخاصة.

تذكر: لسانك لا يصف واقعك فقط، بل يصنعه ويوجّهه. فحين تشكر، تجد الأبواب تُفتح لك. وحين تتذمر، ترى النعم تهرب منك.

أخي الكريم، أختي الكريمة:

انظر حولك الآن، كم من نعمٍ لا تُحصى؟ الأمن، والصحة، والطعام، الشراب، والمسكن، والأهل، والأصحاب…وغير ذلك الكثير الكثير من النعم، أما تستحق منا شكراً بدل الشكوى؟ أما تستحق منا سجدة شكر بدل التسخّط ولوم القدر؟

فلنعد إلى رشدنا، ولنتوقف عن هذا التمارض والتذمر، ولنملأ مجالسنا بالشكر والأمل والتفاؤل. ولنتذكر دائماً:

فمَن رَضي فله الرِّضَى، ومَن سخِط فله السَّخطُ

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى