بين إرادة الملك وبيروقراطية التنفيذ

بين إرادة الملك وبيروقراطية التنفيذ

كتبت شيرين قسوس

حين أطلق جلالة الملك عبدالله الثاني الورقة النقاشية السادسة، لم تكن مجرد وثيقة سياسية تضاف إلى أرشيف الدولة، بل كانت مشروعاً وطنياً متكاملاً لإعادة بناء الإدارة العامة على أسس الكفاءة والنزاهة والشفافية والمساءلة. جاءت الورقة لتؤكد أن مستقبل الأردن لا يمكن أن يبنى بعقلية الوظيفة التقليدية أو بالبيروقراطية المتجذرة، وإنما من خلال مؤسسات فاعلة تخدم المواطن وتعمل وفق معايير الإنجاز والجدارة وسيادة القانون.

لقد رسمت الورقة النقاشية السادسة ملامح دولة حديثة يكون فيها الموظف العام خادماً للمصلحة العامة، وتكون فيها المؤسسات قادرة على الإنجاز السريع واتخاذ القرار بعيداً عن التعقيدات الإدارية والمصالح الضيقة. كما أكدت أهمية بناء جهاز حكومي كفؤ قادر على مواكبة التحديات وتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

مقالات ذات صلة

وخلال السنوات الماضية شهد الأردن خطوات مهمة في مسار التحديث الإداري والتحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، وتم إطلاق برامج إصلاح متعددة هدفت إلى رفع كفاءة القطاع العام وتحسين بيئة العمل وتسهيل الإجراءات أمام المواطنين والمستثمرين. كما توسعت الخدمات الإلكترونية وتطورت أدوات الحوكمة في العديد من المؤسسات، ما يعكس وجود إرادة سياسية حقيقية للسير في الاتجاه الذي رسمته الورقة.

إلا أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن جزءاً مهماً من أهداف الورقة ما زال بعيداً عن التحقق الكامل، ليس بسبب غياب الرؤية الملكية أو نقص التوجيهات، بل بسبب التقصير في التنفيذ داخل بعض المؤسسات، واستمرار ثقافة البيروقراطية التي تستهلك الوقت والجهد وتعرقل الإنجاز. فالمشكلة لم تكن يوماً في وضوح ما أراده الملك، بل في وجود فجوة بين الرؤية والتنفيذ، وبين التوجيهات والتطبيق على أرض الواقع.

لقد دعا الملك إلى إدارة قائمة على الكفاءة والمساءلة، لكن بعض المفاصل الإدارية ظلت أسيرة الروتين والتردد وضعف المتابعة، ما أدى إلى تباطؤ تنفيذ الكثير من البرامج والخطط. كما أن استمرار بعض مظاهر الواسطة والمحسوبية وتقديم المصالح الشخصية على المصلحة العامة أسهم في إضعاف فرص تحقيق التحول المؤسسي الذي دعت إليه الورقة. فحين لا تكون الكفاءة هي المعيار الوحيد للوصول إلى المواقع القيادية، فإن أي مشروع إصلاحي يفقد جزءاً من قوته وفاعليته.

ومن أبرز الملفات التي لم تحقق المستوى الذي استهدفته الورقة النقاشية السادسة ملف تطوير الموارد البشرية في القطاع العام، وربط التعيين والترقية بالأداء الفعلي، وتعزيز المساءلة المؤسسية، وإعادة هيكلة الإجراءات الحكومية بما يحد من التعقيد والبطء. كما أن ثقافة الخدمة العامة الحديثة لم تترسخ بالشكل المطلوب في بعض المؤسسات، وما زالت عقلية الإدارة التقليدية حاضرة في مواقع مختلفة، الأمر الذي أبطأ عملية التغيير وأضعف أثرها.

إن أخطر ما واجه مضامين الورقة النقاشية السادسة كان مقاومة التغيير من داخل بعض مراكز النفوذ الإداري، حيث تحولت بعض حلقات البيروقراطية إلى حواجز أمام التحديث بدلاً من أن تكون أدوات له. وعندما تتعطل القرارات في المكاتب، وتتأخر المعاملات دون مبرر، وتغيب المحاسبة الحقيقية على التقصير، فإن المواطن يفقد ثقته بقدرة المؤسسات على تحقيق ما وعدت به الرؤى الإصلاحية.

ورغم ذلك، فإن ما تحقق حتى اليوم يؤكد أن الأردن يمتلك الأساس الذي يمكن البناء عليه لتحقيق الأهداف كاملة. فالورقة النقاشية السادسة ما زالت تشكل مرجعاً وطنياً للإصلاح الإداري والتحديث المؤسسي، وما زالت تحمل رؤية متقدمة لدولة قوية بمؤسساتها وكفاءاتها. لكن النجاح الكامل لهذا المشروع يتطلب مواجهة التقصير بلا تردد، وتجفيف منابع الفساد الإداري أينما وجدت، وفرض المساءلة على كل من يعيق الإنجاز أو يعرقل مسيرة التطوير.

لقد قدم الملك خارطة طريق واضحة نحو دولة عصرية تقوم على الكفاءة والعدالة وسيادة القانون، لكن الطريق إلى هذه الغاية لا يكتمل إلا بإرادة تنفيذية لا تكتفي بترديد الشعارات، بل تحاسب المقصر وتكافئ المنجز وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. وعندها فقط يمكن القول إن مضامين الورقة النقاشية السادسة قد تحولت من رؤية مكتوبة إلى واقع ملموس يلمسه الأردنيون في مؤسساتهم وحياتهم اليومية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى