
قيم اسلاميه : الرحمة
مقال الإثنين: 1 / 6 / 2026
بقلم: د. هاشم غرايبه
لم يخترع البشر القيم العليا والاخلاق الحميدة، بل وجدوها في فطرتهم، أخلاقا يتخلق المرء بها ثم ترتقي نفسه لتغدو طبعا، ثم تعلو لتصبح قيمة سامية يظل المرء يجتهد للوصول بها إلى مراتب أعلى.
لكن مما يتميز به منهج الله عن سائر المناهج البشرية التي اكتفت بالدعوة إليها بالوعظ والنصح، أنه جعل الاتصاف بها متطلبا إيمانيا، وأفرد لها تشريعات ملزمة بدافع الثواب والعقاب.
لذلك تعيش المجتمعات المفرغة من القيم الروحية حالة من التناقض، ففي حين تجد الناس في الغرب يذرفون الدموع على حوت نافق، لا تجد أحدا يتأثر لمرأى بشر أبرياء يقتلون بالجملة.
الرحمة قيمة عليا لا تتجزأ ولا تقبل المعايير المزدوجة، وتفسد إذا خضعت لموازين المصلحة.
ومما يدل على أنها الأسمى، أن رب العزة اختارها من بين كل القيم المثلى، فأعلمنا أنه أخذ على نفسه عهدا بها، وكرر ذلك العهد مرتين في سورة الأنعام: “كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ” [12]، و “كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ” [56]. وقرن إسمه الكريم والذي يفتتح به كل قول أو فعل، بصفتي الرحمن (وتعني الرحمة الواسعة التي تشمل كل شيء)، والرحيم (التي تعني الرحمة الواصلة لعباده المؤمنين).
يتبين مدى ارتباطها بجوهر العقيدة من كونها منحت النبي الكريم تميزا عن سائر الخلق بقوله تعالى: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ” [آل عمران:159]، إذن فهي إضافة اختص بها رب العزة رسوله الكريم، فزانت أخلاقه الكريمة أصلا، وجمعت القلوب حوله، وتعلقت به نفوسهم حبا غلب حبهم لأنفسهم.
لقد جسدت الممارسات اليومية للمعلم (الرسول صلى الله عليه وسلم) وتلاميذه (الصحابة) ذلك المفهوم النظري بالتطبيق الفعلي، تجلى ذلك بأبهى صورة في فتح مكة في العفو الشامل عن المشركين الذين ناصبوا المسلمين العداء في بداية الدعوة وعذبوهم وأذلوهم ثم طردوهم من ديارهم، ثم لاحقوهم وقاتلوهم بعد لجوئهم إلى المدينة، ثم قتلوا عمه حمزة ومثلوا بجثته.. كان الرد على كل تلك الجرائم: إذهبوا فأنتم الطلقاء…فهل يمكن لغيرالنفس البشرية المؤمنة أن تتسع لكل تلك الرحمة والتسامح!؟.
لم تتوقف رحمة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عند البشر فقد شملت كل كائن حي، فها هو يتفطر قلبه ألماً لمشاهدة طير يحوم حول جماعة من صحبه فعرف أن بعضهم أخذ فراخها من عشهم، فغضب وقال: من فجع هذه بفراخها؟ ردوها لها، وفصّل عليه السلام في فضائل الإحسان إلى الحيوان (حديث الذي سقى كلبا عطشانا) فبشره بالجنة، وأنذر المرأة التي حبست قطة حتى الموت بأن جزاءها النار.
تمكنت قيم الرحمة إذن في نفوس المؤمنين فيما بعد متمثلة في وصية أبي بكر لجيوش الفتح، والتي اعتبرت أول تقييد أخلاقي رحيم للحروب عرفته البشرية، والتي لم يلتزم بها أحد حتى اليوم غير المسلمين، فبعد قرون عندما دخل الأوروبيون القدس، ذبحوا الجميع، لكن جيش صلاح الدين حينما استعادها، لم يرد على فعلهم بمثله، بل أمّن الغزاة المهزومين على أموالهم وأنفسهم.
في مهد الديمقرطية روما، صوّت مجلس الشعب بالإجماع عام 154 ق.م.على قرار بقتل كل أهل قرطاجه وتدميرها بالكامل، ثم صبوا قوالب الملح في أرضها حتى لا تنبت زرعا، قد يقول قائل حدث ذلك قديما، لكن حدث ما هو أبشع في القرن العشرين، ولم تستنكر الديمقراطيات الأوروبية المتشدقة بحقوق الإنسان رد “تاتشر” على سؤال صحفي عند العدوان الثلاثيني على العراق: “هل تشعرين بالندم على مقتل مائة ألف طفل عراقي ليس لهم ذنب” قالت: “أبدا إنه ثمن معقول للديمقراطية!”.
وبعد، قد يقول قائل: لماذا نجد حاليا بعضا من المجتمعات الكافرة أكثر التزاما بالأخلاق الحميدة من المسلمين؟.
السبب في ذلك عائد الى أن النظام السياسي لديهم يوفر لمجتمعاتهم الوسائل للصلاح، فيما أن ذلك آخر اهتمامات الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين، فكل جهدها منصب على حماية أمنها وضمان بقائها، لذلك تجدها ترعى الفساد وتحمي الفاسدين الذين تعتبرهم أعمدة الحكم، وإخلاصهم له مرده الى أنه خير من يحقق مصالحهم.
