
من كلّ بستان زهرة – 119 –
ماجد دودين
إذا كان يَومُ القيامةِ شُفِّعتُ، فقُلتُ: يا رَبِّ أدخِلِ الجَنَّةَ مَن كان في قَلبِه خَردَلةٌ، فيَدخُلونَ، ثُمَّ أقولُ: أدخِلِ الجَنَّةَ مَن كان في قَلبِه أدنى شيءٍ، فقال أنَسٌ: كَأنِّي أنظُرُ إلى أصابِعِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
الراوي: أنس بن مالك | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري- الصفحة أو الرقم: 7509 | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]- التخريج: أخرجه البخاري (7509)، ومسلم (193) بنحوه
شَفاعةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ثابتةٌ، وهي قِسمانِ: شفاعةٌ عُظمَى، وهي شفاعتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لبَدءِ الحسابِ، وتكونُ لجَميعِ الخلائقِ، وشَفاعةٌ خاصَّةٌ، وهي أعلى النَّوعينِ، وفي هذا الحَديثِ نوعٌ من أنواعِ شَفاعتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهي شَفاعتُه في الموحِّدينَ الَّذين أُدخِلوا النَّارَ، فيقولُ: «إذا كانَ يومُ القيامةِ» في المَوقِفِ العَظيمِ والنَّاسُ وُقوفٌ لرَبِّ العالَمين؛ فيَشفَعُ لأهلِ الإيمانِ فيَقولُ: «يا ربِّ، أَدْخِلِ الجنَّةَ مَن كان في قلْبِه خَردلةٌ»، والخردلةُ نَبتةٌ صَغيرةٌ، ويقال: لا وزنَ لها، والمعنى: مَن كان في قلبِه قَدرٌ قَليلٌ مِنَ الإيمانِ، فيُدخلُهمُ اللهُ سُبحانه وتَعالَى الجنَّةَ بشَفاعتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لله سُبحانه وتعالى: «أَدخِلِ الجنَّةَ مَن كان في قلْبِه أَدْنى شَيءٍ»، أي: أقلُّ شَيءٍ يَجتمِعُ في قلبِ المؤمنِ مِنَ الإيمانِ.
قال أنسٌ رَضيَ اللهُ عنه: «كأنِّي أنظرُ إلى أصابعِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ»، يعني عندَ قولِه: «أَدْنى شَيءٍ»، وكأنَّه يَضُمُّ أصابعَه ويُشيرُ بها إلى رأسِ إصبَعِه دَليلًا على القِلَّةِ.
وفي الحديثِ: بَيانُ مَكانةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عندَ ربِّه. وفيه: إثباتُ الشَّفاعةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. وفيه: حثٌّ على الإيمانِ باللهِ؛ لأنَّه يَنفَعُ المؤمنَ يومَ القيامةِ.
إذا شئت أن تحظى وأن تبلغ المُنى فلا تُسعد النفس المطيعـــة للهوى
وخالف بها عن مقتضى شهواتها وإياك أن تحفل بمن ضلّ أو غوى
ودعها وما تدعو إليه فإنّها لأمّارة بالسّوء داعيــــــــــــــة الردى
لعلك أن تنجو من النّار إنّها لقاطعــــــــــــة الأمعاء نزّاعةُ الشوى
الهوى مركب ذميم، يسير بك في ظلمات الفتن، ومرتع وخيم يقعدك في مواطن المحن، فلا تحملنّك شهوة النفس على ركوب المذمات، والقعود في مواطن الخطيئات.
كتَبَ الخليفةُ عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البِصريّ يقول:” اجمع لي أمر الدُّنيا، وصف لي أمر الآخرة “.
فكتَبَ إليهِ الحسنُ البِصريُّ يقولُ: إنَّما الدُّنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط ونحن في أضغاث أحلام.
ومن حاسبَ نفسَهُ ربِحَ، ومنْ غفَلَ عنها خَسِرَ، ومن نظرَ في العواقِبِ نجا، ومنْ أطاعَ هواهُ ضلَّ، ومنْ حَلُمَ غَنِمَ، ومن خافَ سَلِمَ، ومن اعتبَرَ أبصَرَ، ومنْ أبْصَرَ فهِمَ، ومنْ فهِمَ علِمَ، ومنْ علِمَ عمِلَ، فإذا زللْتَ فارجِع، وإذا ندمتَ فأقلِعْ، وإذا جهِلْتَ فاسأل، وإذا غضبتَ فأمْسِك، واعلم أنَّ أفضلَ الأعمالِ ما أكْرهت النفوسُ عليهِ.
أوصى بعض الحكماء رجلا فقال:
امرك بمجاهدة هواك فإنه يقال إن الهوى مفتاح السيئات وخصيم الحسنات وكل أهوائك لك عدو وأهواها هوى يكتمك في نفسه وأعداها هوى يمثل لك الإثم في صورة التقوى ولن تفصل بين هذه الخصوم إذا تناظرت لديك إلا بحزم لا يشوبه وهن وصدق لا يطمع فيه تكذيب ومضاء لا يقاربه التثبط وصبر لا يغتاله جزع ونية لا يتقسمها التضييع.
قال بعض الحكماء
إياك والعجلة فإن العرب كانت تكنيها أم الندامة لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم ويعزم قبل أن يفكر ويقطع قبل أن يقدر ويحمد قبل أن يجرب ويذم قبل أن يخبر ولن يصحب هذه الصفة أحد إلا صحب الندامة واعتزل السلامة.
ذكر الغزالي في كتابه (الإحياء) أنَّ هشام بن عبد الملك قدم حاجاً إلى مكة فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة، فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين، فأتِي بطاووس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام، ولم يكنه! وجلس بإزائه، وقال كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضباً شديداً حتى همَّ بقتله، فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك.
فقال له: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟
فازداد غضباً وغيظاً، وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تقبِّل يدي، ولم تسلم عليَّ بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت: كيف أنت يا هشام؟
قال: أمَّا ما فعلتُ من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب عليَّ!
وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا ولده من رحمة.
وأما قولك لم تسلم عليَّ بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب.
وأما قولك لم تكنني فإنَّ الله تعالى سمَّى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنَّى أعداءه فقال: [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ] {المسد:1}.
وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام.
فقال له هشام: عظني. فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يقول: (إنَّ في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته) ثم قام.
دخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال: تكلم يا أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إنْ قبلتَه. فقال: يا أعرابي، إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا نأمن، فكيف بمن نأمن عيشه ونرجو نصحه؟
فقال الأعرابي يا أمير المؤمنين لقد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله تعالى ولم يخافوا الله سبحانه فيك، حرب الآخرة سلم للدنيا فلا تأتمنهم على ما ائتمنك الله تعالى عليه، فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعاً، وفي الأمة خسفاً وعسفاً، وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا بمسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإنَّ أعظم الناس غبناً من باع آخرته بدنيا غيره!.
فقال له سليمان: يا أعرابي أما إنك سللت لسانك وهو أقطع من سيفك!
قال: أجل يا أمير المؤمنين ولكن لك لا عليك.
فَإِمّا أَن تَكونَ أَخي بِحَقٍّ فَأَعرِفَ مِنكَ غَثّي مِن سَميني
وَإِلّا فَاِطَّرِحني وَاِتَّخِذني عَـــــــدُوّاً أَتَّقيـــــــــكَ وَتَتَّقيني
يا من يجيب دعا المضطرّ في الظلم يا كاشف الضرّ والبلوى مع السّقم
قد نام وفدُك حول البيت وانتبهوا وأنتَ يا حــــــــــــــيّ يا قيّومُ لم تنَمِ
إن كان جودكَ لا يرجوهُ غير تقٍ فمن يجــــــــود على العاصين بالنعم
يلومونَني أن بِعْتُ بالرُّخصِ مَنزلي ولم يَعلَموا جارًا هناك يُنَغِّصُ
فقلتُ لهم كُفُّوا الملامَ فإنَّما بجيرانِها تغلو الدِّيــــــــــارُ وتَرخُصُ
عن عبد الله بن دينار: (احذروا ثلاثا فإنهنّ معلقات بالعرش:
النعمة تقول يا رب كفرت،
والأمانة تقول يا رب أكلت،
والرحم تقول يا رب قطعت.
قيل: يستدل على تقوى الرجل بثلاث: حسن التوكل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر على ما قد فات.
قالت الحكماء: أصل الخيرات كلها في ثبات القلب، ومنه تستمد جميع الفضائل وهو الثبوت والقوة على ما يوجبه العدل والعلم، . . . والشجاعة غريزة يجمعها حسن الظن بالله تعالى.
وقال بعضهم:
ليس الشجاع الذي يحمي فريسته عند القتـال ونار الحـرب تشتعل
لكـن مـن غضّ طـرفاً أو ثنى قدماً عن الحرام فذاك الفــــــــارس البطل
وقالوا:
ولـــو أن الـحـيـــاة تـبـقـى لـحــيّ لـعـددنــا أضــلـنــا الشجعانا
وإذا لــــم يـكـن مـن المـــوت بـدّ فــــمـن الـعـجــز أن تـمـوت جبانا
الحمدُ للهِ الذي علَّمَ بالقلم، علَّمَ الإنسانَ ما لم يعلَمْ، الحمدُ للهِ أَنْ أرسَلَ إلينا خيرَ الأنامِ محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ معلِّمًا ومُربيًّا ومُوجِّهًا.
مَا الفخرُ إلَّا لأهلِ العلمِ؛ إنَّهُـــــمُ ** على الهُدى لمن استهدَى أدلَّاءُ
وقدرُ كلّ امرئٍ ما كان يُحسِنُــهُ ** والجاهلُون لأهلِ العلمِ أعــداءُ
وَإِنْ أَتَيْتَ بِجُودٍ في ذَوِي نَسَبٍ ** فَإِنَّ نِسْبَتَنَا جُودٌ وَعَلْيَــــــــــاءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعْشِ حَيًّا بِهِ أَبَـــــــدًا ** النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ
صلَّى اللهُ عليكَ يا خيرَ الــــورى ** ما لاحَ صبحٌ مشرِقٌ وأصيــلُ
وعليكَ صلَّتْ في السماءِ ملائِـكٌ ** لبَّتْ لأمرٍ قاله التنزيـــــــــــلُ
صلُّوا عليه وبالصلاةِ تعطَّــــــرُوا ** مَنْ لم يُصلِّ عليه فَهْوَ بخيلُ
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ثلاثٌ من كن فيه فقد كمُل: من لم يخرجه غضبه عن طاعة الله، ولم يستنزله رضاه إلى معصية الله، وإذا قدر عفا وكفّ.
قال الحسن البصري رحمه الله: نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان عليه، وذنوب ابن آدم أكثر من أن يسلم منها إلا ما عفا الله عنه.

