التعددية والحرية الفكرية

التعددية والحرية الفكرية
مقال الإثنين: 4/ 5 / 2026

بقلم: د. هاشم غرايبه


كان من أكثر ما اهتم به الفلاسفة منذ القدم احترام العقل، وبالتالي حرية التفكير واختيار المنهج.
لم يخترع المفكرون التعددية واحترام الإختلاف، بل وجدوها كطبيعة بشرية، وواحدة من أهم ميزات الإنسان، فالحيوانات من النوع الواحد سلوكاتها متشابهة، واستجاباتها متماثلة، لكن الإنسان يتفاعل ويتصرف بأشكال متباينة وغير متوقعة في كثير من الأحيان، ذلك أن فهم الأمر يعتمد على حكم العقل بذاته، وبناء على تجارب وخبرات فردية، لذلك يختلف تفسير الناس للأمر وحكمهم عليه.
يعتقد بعض من لم يعرفوا الدين من مصدره، فلم يفهموه على حقيقته، بل من خلال ما وصفه به آخرون، يعتقدون أن الدين يُكوّن مفاهيم محددة مقولبة لا تتيح للعقل البحث فيما وراءها، وأنه بما يقدمه من معلومات غيبية لا مجال للتحقق منها ولا وسيلة تجريبية تفسر ماهيتها، إنما هو يحجر على العقل، ويقيد انطلاقه.
احترام مبدأ التعددية يعني فتح الباب للإجتهاد في الفرعيات من غير الخروج عن الثوابت، وذلك منطقي فالمنهج الصحيح هو إطار محدد لكنه عندما يتصف باحتوائه لكل المسائل وتغطيته لكل الإحتمالات يكون خطا عريضا إنما مستقيماً واضحا محدد الطرفين، مثل ملعب كرة القدم يتحرك اللاعبون فيه بحرية لكن من غير الخروج قيد أنملة عن حدوده.
قد يسأل سائل: ما قيمة هذه الحرية المحددة إذا لم يمتلك المرء الحرية الفكرية في الإنطلاق خارج حدود الصندوق المغلق؟.
الإجابة هي أنه مثلما أن هذا هو قانون لعبة كرة القدم، ومن أراد ممارستها عليه أن يلتزم به، فكذلك المنهج من اعتنقه عمل بموجبه ومن خلاله وليس له الخروج عن محدداته، وحتى الديمقراطية التي تتغنى باحترامها لحرية الفكر فهي كذلك لا تسمح بتشكيل أي حزب سياسي لا يلتزم بحدود الدستور، وتعتبر من يسعى الى تغيير النظام الذي حدده الدستور، خارجا على القانون مهدور الدم.
لذلك لا يجوز إكراه أحد على اعتناق الإسلام، بل يتاح له التفكير مليا قبل اتخاذ قراره، أما إن استقر رأيه على دخوله وباختياره الحر، فالردة عنه تعتبر من أكبر الكبائر، فليس هنالك حرية في التجوال الديني، أو في تبديل العقيدة بسهولة تغيير اللباس، لأن العقيدة تعني قناعات عقلية مترسخة، والرجوع عنها يعني أنها لم تكن فكرا ممنهجا بل كانت تظاهرا لأغراض منفعية.
وقطعا ذلك ليس حرية فكرية بل عبث أو لهو أو استثمار.
الإسلام كونه منهجا إلهيا، أسس للتعددية من خلال فتح باب الإجتهاد الفقهي في الفرعيات، وسن لنا النبي صلى الله عليه وسلم المثل في ذلك، فقد ورد في الأثر أنه قال يوم الأحزاب:” لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ” ، فأدركوا العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نصل وقال بعضهم بل نصلي قبل ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر على أي من الفريقين موقفهم.
إن تقبّلَ الرأيين معا مع أنهما متناقضان، كان من أجل ترسيخ مبدأ الإجتهاد، والذي يكون في الفرعيات، فيما لم يرد به نص تشريعي قاطع، وفي الأمور التي سكت الله عنها ولم ترد بتحريم في القرآن رحمة بالناس وتوسيعا عليهم وليس نسيانا فإنه تعالى: ” لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى “[طه:52] .
لقد تمتع المفكرون المسلمون بحرية واسعة في الإجتهاد لم تحدث في أي معتقد آخر، وأصبحت هنالك أربعة مذاهب رئيسة تشكل مدارس فقهية مورست فيها الحرية الفكرية الحقيقية، فيستطيع المسلم أخذ ما يقنعه من أي مذهب شاء.
ولا أظن أن البشرية عرفت مثلا أرقى في التعامل بين المذاهب باحترام، ومن غير تعصب ولا تسفيه لأي منها، إذ كان متبع المذهب يحاجج الآخر قائلا: إن رأيي صواب لكن يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب، فإن جئت بدليل يثبت قولك أتّبعه.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى