مطلب شعبي ..

مقال الاثنين 10-10-2016
النص الأصلي
مطلب شعبي ..
لأن التهادي في سالف العصر والزمان كان عادة بين الأمراء والزعماء ، هذا يهدي ذاك فرساَ مزيّنة بالذهب والفضة ومحملة بلباس الحرير، فيرد عليه الآخر الهدية بناقة وضحاء محملة بالجواهر والبخور ، فيقوم ثالث بإهداء جارية بالغة الحسن والجمال فيسد الرابع الهدية بفرسان شجعان وسيوف ومستشارين وحكماء..ومن باب التوجيب وكسر الروتين فقد قام أحد ملوك الهند بإرسال فيل صغير إلى أحد أمراء الشرق على سبيل الهدية، علّه يزين به قصره ، ويضعه في إسطبله الأميري مع نوادر الخيول ..تقبّل الأمير الشرقي الفيل ببالغ السرور، داعب خرطومه قليلاً وطلب من حاشيته أن يطلقوه في أرجاء الإمارة حتى تعلم كل الرعية قيمة الهدية ومكانة الأمير عند الملوك…
**
سرح الفيل في أرجاء الإمارة ، وبدأ يمرّ من الحقول ويدوس المزروعات بغرور منقطع النظير ،وكلما حاول أن يحتجَّ أحدهم على سلوك الفيل أو يضربه أو يوقفه عند حده ، تذكّر أن الفيلَ فيل الأمير شخصياً فيطأطئ الرأس ويطلب “العوض” من وجه الكريم، يوماً بعد يوم زاد وزن الفيل ،وبالضرورة كلما “زاد وزن” المرء كبر خطأه وزاد بطشه ، حيث لم يجد من يردعه أو يقوّم سلوكه خوفاً من أن تناله عقوبة رسمية ممهورة بختم الأمير..كل صباح يدخل الفيل السوق يحطم أواني الفخار برجلية وبخرطومه ، ويحطم أواني الخزف الثمينة المعروضة للبيع ، كما يقوم بقلب العربات الخشبية التي يجرها الحمّالون على ظهورهم، ويحطم بيض المزراع ويقضم الثمار الطرية والخضار المعروضة على جانبي الطريق..ويحطم النوافذ ويكشف النساء ويرعب الأطفال…وصل الخبر للأمير من بعض مقربيه ووزرائه بأن الفيل صار مؤذياً ومتجبراً في الرعية بشكل لا يطاق ، الاّ أن الأمير تقصّد الا يتّخذ أي إجراء ما لم تشتكِ الرعية بلسانها وتحتج بعالي حناجرها..فالفيل من وجهة نظر الأمير مجرّد مجس اختبار لصبر الناس على الخطأ، فإن لم يتذمّروا من تخبّط الفيل كيف لهم أن يشكوا من تخبط الوزير أو الأمير نفسه ..تحرّكت الحياة ببعض الوجهاء ،واجتمعوا ببعض الأعيان وأصحاب الرأي السديد من الإمارة وقرروا مقابلة الأمير ليطلعوه على ما يجري لهم وليكون في صورة الحدث كي لا يقول أحدهم قولته المشهورة: “الأمير يدري؟؟” …وصل الخير لصاحب الشأن بان وجهاء من كافة الإمارة يرغبون بمقابلة صاحب السمو ، ففرح أيما فرح ووافق على مقابلتهم على الفور ،طلب من كل وزرائه ومستشاريه أن يكونوا حاضرين في اللقاء ،ثم جّهز نفسه لسماع الشكاوى والتذمّر وحضّر بعض الوعود التخديرية والإجراءات النظرية التي سيرضيهم…دخل الوفد إلى مجلس الأمير فأذن لهم بالجلوس…قال كبيرهم:
– بعد السلام على سمو الأمير..والاطمئنان على صحته والدعاء له بطول العمر…فقد جئناك بشأن فيل سموكم..!!
فرح الأمير وهز رأسه وأشار بيده ليكمل الوجيه كلامه متوقعاً ان تطلق الشكوى الآن.
قال الوجيه وهو يفرك يديه خوفاً ووجه يتعرق خجلا: تعرف يا مولانا أن “فيل سموّكم” أطال الله في عمره عزيز علينا معزّة أولادنا..والله والله والله ما حسبناه يوماً الا أبناً غالياً كريماً إن أخطأ سامحناه وان أجاد كافأناه..ولأن “فيل سموكم” سدد الله خطاه بالحق.. قد بلغ العشرين من العمر..فنحن نرى بعد إذن مولاي..نحن نرى..نرى..
أمال الأمير جذعه عن الكرسي باهتمام ليسمع الجملة التي تعسّرت في الخروج: ترون ماذا؟؟
الوجيه: قلنا لكم سيدي…انه مثل أولادنا بالضبط..لذا نحن نرى ان نزوّجه “فيلة تناسب مقامه العالي”..وقد جمعنا له من الرعية جميعاً ثمن زيجته ومهر عروسه وها هي بين يديك نسألك بالله العلي العظيم …أن تلبي طلبنا وألا تردّنا خائبين …والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نظر الأمير الى حاشيته..ثم قال :

غطيني يا كرمة العلي…

احمد حسن الزعبي
ahmedalzoubi@hotmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى