
سبع قضايا تمكننا من تقييم أنفسنا
عبد اللطيف مهيوب العسلي
يمكننا أن نتعرف عليها من هذه الآية العظيمة , (( ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) )
ولأن هذه الآية أشتملت على أسس رئيسية كبيرة لن يكون هذا المقال منصفا لإعطائها حقها لذلك سينصب حديثي حول جزئية من جزئيات مدلولتها تتعلق بتقيم الخطاب الحججي للتواصل .
ما من شك أنه يوجد شبه اتفاق بين جمهور المفسرين , والعلماء من المسلمين وغير المسلمين أن هذه القيم والقضايا هي من أهم مميزات وسمات الأمة الحضارية الراقية , يا لها من آية عظيمة ويا لها من قيم حضارية جليلة راقية .
ونفس الوقت يوجد شبه اتفاق أننا معشر المسلمين اليوم لم نعمل بهذه القيم والقضيا التي أشتملت عليها الآية الكريمة ,
والتي من أهم قضاياها السبع العدل الذي من أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب .
ولأننا في زمان الأقمار الصناعية و زمن ثورة التواصل يتلقى الإنسان العربي كما هائلا من الأخبار والحوارات والجدل الدائر من مختلف قنوات التواصل ,وتنعقد المحافل ,والمؤتمرات باعتبار أن الفكر الإنساني هو أعلى مستويات العقل البشري ,و كان يفترض أن ينتج من هذا الخطاب أن تتقارب وجهات النظر وتقلل مساحات الاختلافات فيما بيننا أولا, وفيما بيننا وبين الآخرين ثانيا , وبالتالي تحل وسائل الإقناع الإنسانية محل الاقتتال والحرب , ويحل السلام والحريات محل العنف والإكراه ,
إلا أننا في وطننا العربي – وبكل أسف – لا نجد أي نتيجة بل ومن عجائب اﻷمور لم نشاهد ولا لمرة واحدة أنه أنعقد حوار في قضية من القضايا اليومية التي تهم المجتمع خرج منها المتحاورون برأي موحد بل على العكس.
ولعلى ذلك يرجع إلى أسباب عديدة لا علاقة لها بالمنهج العلمي ولا بحجج التواصل الإقناعي,
وسواء كانت هذه الخطابات سياسية أو دينية أو ثقافية أو اجتماعية , بل يطغى عليها التعصب الديني أو السياسي دون أن يذعن الجدل أو يرتكز لمعايير محددة واتفاق مسبق لقبول الرأي لمن يمتلك الحجة ولو حتى من حيث المبدأ هذا في أحسن الأحوال .
فما بالك بالخطاب المتسم بالعنف , ولا تستغرب أن يتسم الخطاب الرسمي بطابع خطاب الكراهية بل واصدار الأحكام الغيابية حتى على الموتى أو ضد من يستحيل قدرته الدفاع عن نفسه , والبعد عن منهجية الاقناع الطوعي , والخطاب العقلاني الراشد .
وينبغي ألا يغيب عنا ,ان خطاب الكراهية والعنف لا يقل خطورة على العنف الجسدي .
لذلك رأينا مجتمعاتنا العربية والإسلامية أكثر تخلفا عن الأمم المتقدمة .
فنحن نحتاج إلى وسيلة خطاب أكثر إنسانية لنلتحق مع الأمم المتقدمة الراقية .
فمن ينظر بالخطاب الرسمي والخطاب المدني للأمم المتقدمة الراقية سيجده عكس ما هو لدينا تماما , فقد حل الإقناع والقانون والدستور محل الحرب والوضى والاقتتال , تخضع هذه الأمم لمعايير محددة أهمها العدل والصدق والحجة , وفوق ذلك كله توجد مواثيق ودساتير وقوانين أتفقوا عليها وجعلوها المعيار للحكم بينهم إذا ما اختلفوا لجؤا إليها .
من المؤسف – حقا -أننا نتحدث كثيرا دون أن نقارب نسبة الفوارق فيما بيننا بل نخرج بعد كل جدل أو حوار أو مؤتمر وكل فريق أشد تمسكا برأيه مما كان عليه قبل الجدل والحوار دون أن يلتفت الفرقاء إلى ما لدى كل منهما من حجج وبراهين مهما أمتلك أي منهم من دلائل فليس لها اي قيمة لأنها أصلا ليست بالحسبان اعتبارها معيارا .
ورغم ما نمتلكه من قيم ومعايير عظيمة حواها القرآن الكريم إلا أننا كمسلمين لا نلتزم بها لا فيما بيننا كمسلمين ولا فيما بيننا وبين غير المسلمين .
لذلك لا نجد أي علا قة بين قبولنا لرأي “س ” , وردنا لرأي “ص ” فلا يخضع الخطاب لأي معيار عادل يمكن للمحايد أن يحكم بموجبه على صوابية “س”
وعدم صوابية “ص” أو على أحقية الفريق “أ ” وعدم أحقية الفريق “ب” بل غالبا ما يكون بالغالب الأعم المعيار هو الأهواء لا غير والتعصب الديني أو السياسي , لقد أمتلكنا في القرآن الكريم ميزانا ومقياسا دقيقا عادلا وراقيا وأخلاقيا وعقلانيا وراشدا يمكن من خلاله أن نحكم على الأشياء , ومن أهما هذه القضايا التي أرشدتنا إليها هذه الآيات التي بين أيدينا .
إن المعيار الحق هو الذي يجعلنا أن نحكم أن هذا الرأي صحيح ومدعم بحجة صحيحة , أو فاسد ولا يمتلك حجة صحيحة .
ولذلك اعتقد أنه من المهم جدا أن نلتزم سبع قضايا رئيسية أرشدتنا إليها الآيات نضع من خلالها لأنفسنا خارطة الطريق تمكننا من تقيم أنفسنا أولا , وتقيم الآخرين ثانيا , ومالم نطبقها بشكل حازم ودون ازواجية بالمعايير أو انتقائية فلن تأتي ثمارها , وهذا يعني ما نطبقه على ألآخرين نطبقه بنفس النسبة والقوة على أنفسنا , وما نطبقه على أعدائنا نطبقه على إخواننا وأقربائنا ,فقيم العدل واحدة , وسواء كانوا أفردا أو جماعات ,
هذا بكل تأكيد سيخلق ثقافة جديدة تجعلنا أن نحكم أن هذا الخطاب مفيد أو غير مفيد , صادق او كاذب , منطقي , أو غير منطقي , راشد أو غير راشد ذكي أو غبي .
علينا أن نسأل أنفسنا أسئلة خاصة بالمعايير وليست بالقائل وانتمائه نعتمد فيها معايير الكلمة الطيبة ,
ومعيار الصدق والعدل , تبعا لقوله تعالى ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا )
فلا قيمة لإيماننا بقيم العدل ما لم نطبقه , ونقف مع العادلين , ولا قيمة لإيماننا بقيم الصدق ما لم نقوله ونقف مع الصادقين .
وهنا علينا أن نسأل أنفسنا عند كل مقول
“اقال المتحدث قولا سديدا وحسنا أم ليس سديدا ولا حسنا ?
أأتسم الخطاب بالأخلاق الحميدة وأساليب الإقناع واستند إلى الحجج أم هو خطاب سلطوي يعتمد على الإكراه والعنف ?
وهنا فقط يتوجب علينا أن نلتزم هذه القضايا السبع التي أوجب الله عباده المؤمنين أن يلتزموا بها حتى وإن لم يلتزم بها الآخرون .
نجدها بكل وضوح في الآيات من سورة النحل ثلاث أمر الله بهن :
1,, العدل
2,, والإحسان
3,, وإيتائي ذي القربى
وثلاث نهى الله عنهن :
1,, الفحشاء
2,, والمنكر
3,, والبغي
فهن ست قضايا والسابعة هي
الوفاء بالعهد .
فتأملها في هذه الآيات إن كنت من أهل الرشاد ويعنيك القرآن ..
ثم انظر في أي مجال تنصب اقولك وأفعالك ثم احكم على نفسك بنفسك .
فإن كنت مصيبا فاحمد الله وإن كنت غير ذلك فلا تلجأ الى التدليس ولا تتكبر فراجع نفسك فليس عيبا أن تراجع نفسك فالرجوع إلى الحق فضيلة , واستغفر الله واساله التوفيق واعترف للأخرين اذا وافقوا الحق واعتذر منهم اذا أنت جانبت الصواب فليس بالاعتراف عيبا .
وتحقيق ذلك قال تعلى :
( ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(93) ) من سورة النحل