
سُبل تقليل الأخطار إذا وقع الهجوم الغدار
خلال العام الفائت 2015 بلغ مجموع الهجمات الارهابية التي تعرضت لها خمسة من دول الاقليم هي السعودية ومصر وتركيا ولبنان والكويت، بلغت ثلاثون هجوماً ارهابياً، أوقعت 2019 إصابة بين المدنيين منهم 578 قتيلاً و 1441 جريحاً، ويجمع بين هذه الدول الخمسة عدة أمور مشتركة منها:
أولاً: أنها،باستثناء الكويت، تخوض حروباً داخلية أو خارجية معلنة أو غير معلنة، فالسعودية تقود حرباً على الحوثيين وصالح، ومصر تخوض حرباً ضد الجماعات الارهابية في سيناء، وتركيا تخوض حرباً ضد حزب العمال الكردستاني ومؤخراً ضد داعش، ولبنان يخوض حرباً بالوكالة عن طريق أحد مكوناته السياسية وهو حزب الله ضد الثوار السوريين.
ثانياً: أن هذه الدول الخمسة جميعها تعرضت لهجمات من قبل تنظيم داعش الارهابي الذي أعلن مسؤوليته عن تلك الهجمات بصراحة.
وبتحليل بيانات الهجمات التي تعرضت لها هذه الدول الخمسة لسنة 2015 يتضح ما يلي:
أولاً: أكبر عدد من الهجمات وقعت وفق الترتيب التالي: في مصر (16 هجوم)، السعودية (7 هجمات)، تركيا (3 هجمات)، لبنان (3 هجمات)، الكويت (هجوم واحد).
ثانياً: أكبر عدد من الاصابات ما بين قتيل وجريح تلقته وفق الترتيب التالي: تركيا (773 اصابة)، مصر (463 اصابة)، لبنان (334 اصابة)، الكويت (254 اصابة)، السعودية (195 اصابة).
ثالثاً: أقوى الهجمات الإرهابية (مجموع الاصابات تقسيم مجموع الهجمات) كان وفق الترتيب التالي: هجمات تركيا (257 اصابة لكل هجوم)، الكويت (254 اصابة لكل هجوم)، لبنان (111 اصابة لكل هجوم)، مصر (29 اصابة لكل هجوم)، السعودية (28 اصابة لكل هجوم).
ان هذه الدول الخمسة تحيط بالأردن سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مما يجعلنا نطرح هذا السؤال، هل سيتعرض الأردن لهجمات إرهابية؟
من بين كل دول الشرق الأوسط، الدول الوحيدة التي لم تتعرض لهجمات إرهابية خلال سنة 2015 هي:
1- إيران: بالنسبة لها فإنها على الرغم من أنها تخوض حروباً داخلية ضد التنظيمات المسلحة الانفصالية البلوشية والعربية والكردية والتركمانية والأذرية، وتخوض أيضاً حروباً خارجية في العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان، إلا أن التعتيم الاعلامي الذي تفرضه الدولة يمنع تسريب أية معلومات عن ما يجري داخلها، ولكن ما يتسرب من معلومات بين الفينة والأخرى يشي بأن الصراع الداخلي في إيران في أوجه.
2- سلطنة عُمان: تنهج السلطنة سياسة انعزالية محايدة في الاقليم، وتنأى بنفسها عن ما يجري حولها، فهي لم تؤيد ولم تعارض النظام السوري أو الاطراف المعارضة له، وهي نأت بنفسها عن المشاركة في عاصفة الحزم على الرغم من أنها عضو في مجلس التعاون الخليجي، ولكن في الآونة الاخيرة بدأت تغير سياستها، ربما بعد أن وجدت بأن سياستها لن تجنبها المخاطر إذا ما توسعت الحروب حولها، وبدأت تنهج سياسة محاولة التوسط بين الأطراف المختلفة في اليمن وسوريا تحديداً.
3- قطر: بدأت سياسة قطر تتغير مع تسلم الشيخ تميم للسلطة، فهو أخذ يتقارب مع دول مجلس التعاون الخليجي وأولها السعودية، على صعيد السياسة الخارجية والعلاقات العسكرية، وما تحول السياسة القطرية إلا بحثاً عن حلفاء أشقاء يسندونها بعد أن لمست بأن أمريكا بدأت بسحب يدها وتقليص نفوذها في المنطقة، فكانت السعودية هي الجار الاكبر الذي يجب أن تتقارب وتتحالف معه.
4- الإمارات: سياسة الامارات كانت منذ البداية الوقوف بحزم ضد كافة الجهات الارهابية، وكانت الامارات فاعلة في كافة الجبهات سواء في ليبيا أو ضد داعش أو في عاصفة الحزم، وهي تعلن مطالبتها بالجزر الثلاث التي تحتلها ايران ولم تتغاضى عن موضوعها، كما أنها منذ البداية أدركت أهمية اسناد الشقيق الأكبر السعودية في مواجهة أية أخطار قد تتعرض لها، وللتصدي للإبتزاز الإيراني الذي لا يلجمه سوى قوة بحجم السعودية، وعلى الرغم من أن الأجهزة الأمنية في الامارات أثبتت فعاليتها وقدرتها الكبيرة والمتطورة، إلا أن هذا لا يعني بأن الدولة محصنة بالكامل في ظل وجود جاليات أجنبية كبيرة تشكل أغلب سكان الدولة مثلها مثل قطر.
5- الأردن:حال الأردن متشابه من عدة نواحي مع ما تتعرض له دول مثل تركيا ولبنان ومصر، فالأردن تأثر بشكل كبير من ما يجري في سوريا والعراق، سواء اقتصادياً أو ديموغرافياً أو على صعيد زيادة الأعباء الأمنية والعسكرية، وهو في نفس الوقت يعتمد على عمقه العربي للحصول على الدعم، فهو يرى في السعودية والامارات خصوصاً، وباقي دول الخليج العربي عموماً السند الذي يعتمد عليه، وهو في نفس الوقت عليه أن يتحوط لأية تداعيات قد تحصل في جبهته الغربية من تطور مفاجئ للمواجهة بين اسرائيل والفلسطينيين، وهو عندما يقف إلى جانب السعودية فلأنه يدرك أهمية استقرار جبهته الجنوبية والشرقية، حيث تحده السعودية لمئات الكيلومترات، وهو عندما يسعى إلى تهدئة الأوضاع في الضفة الغربية بين الاسرائيليين والفلسطينيين فلأن ذلك من مصلحة تركيز قوته لمواجهة الخطر القائم والقادم من الشمال والشرق للمنظمات الارهابية، وهو عندما دعى من البداية إلى حل سلمي للمشكلة السورية لم تكن دعوته تلك محاباة للنظام السوري ضد الثورة السورية، وإنما كانت دعوته هذه ناتجة من قراءة مستقبلية واضحة للمشهد السوري عنوانها وماذا بعد الاسد ؟
الإجابة المنطقية والواقعية على السؤال الآنف الذكر وهو، هل سيتعرض الأردن لهجمات إرهابية ؟ هي باختصار، أن الأردن خلال السنوات القليلة الماضية وحتى اليوم لم يمر شهر واحد دون أن تحبط الأجهزة الأمنية محاولات تسلل أو تلقي القبض على مطلوبين في هذا الاطار، وهذا ليس سراً ، فالمتابع لبيانات القوات المسلحة والمطلع على تقارير الاعلام عن التحقيقات والمحاكمات التي تجري يثبت ذلك، ولولا جهود الأجهزة العسكرية والأمنية المختلفة ويقظتها لشهدنا عشرات العمليات الارهابية في الأردن كالتي حدثت هذه السنة في الدول الخمس المشار إليها أعلاه، ولكن مع ذلك، فإن تكرار المحاولات المستمرة للمنظمات الارهابية لا يعني بأننا سنبقى آمنين من مثل هذه الهجمات، فقد يقع هجوماً أو أكثر يوقع قتلى وجرحى لا قدر الله، وإستكمالاً للجهود العسكرية على الحدود والأمنية في الداخل، يجب أن تكون إجراءات داخلية تشمل كافة مناحي نشاطات المجتمع للتوعية بطرق التصرف في مثل هذه الحالات، بهدف التقليل من آثار العمليات الارهابية إن وقعت والحد من اعداد القتلى والجرحى، وفيما يلي ملاحظاتي حول هذا الموضوع:
أولاً: الفزعة السلبية، فالمواطن الأردني معروف عنه بالفزعة والحمية، وبأنه مجتمع متقارب مع بعضه، وتتبدى هذه الصفات عند وقوع اي اعتداء على الوطن لا قدر الله، وقد شاهدنا ذلك في تفجيرات الفنادق في عمان، حيث هب آلاف المواطنين إلى مواقع التفجيرات بهدف تقديم المساعدة، وهذا يؤدي إلى تعطيل حركة السير وبخاصة للأجهزة المعنية، ويتسبب في زيادة خطورة الاصابات التي لم تتلقى المساعدة بشكل سريع، كما أنه يعطل الجهود اللازمة لإلقاء القبض على الفاعلين أو من ساعدوهم ويتيح لهم الفرصة للهروب.
ثانياً: الازدحام، إن الازدحام الشديد الذي أصبحت تعاني منه عاصمتنا الحبيبة وصل إلى درجة من الخطورة يمكنها أن تشل أية جهود للجهات الرسمية للتعامل مع أي عمل ارهابي، لا بل ان صعوبة او حتى استحالة الوصول إلى موقع العمل الارهابي بالوقت المناسب، سيؤدي إلى زيادة أو مضاعفة أعداد الوفيات بين الحالات الحرجة من الاصابات التي كان يمكن انقاذها لو توفر لها الاسعاف في السرعة المناسبة، كما أن صعوبة وصول الأجهزة الأمنية يعطل امكانية مطاردة المهاجين أو معاونيهم، مما يضيع فرصة إلقاء القبض عليهم، وللتعامل مع العمليات الارهابية في حالات الازدحام يمكنني أن أقترح الاجراءات التالية:
(1) عند حصول عملية ارهابية لا قدر الله، على الجهات الرسمية أن تعلن للمواطنين منع التجول أو الحركة تماماً إلا للحالات ذات الضرورة القصوى، وقد شاهدنا عندما وقعت تفجيرات باريس كيف انصاع سكان باريس الذين يفوق عددهم عدد سكان الأردن إلى نداء عمدة المدينة، الذي طلب منهم عدم الخروج من منازلهم، مما أفرغ الشوارع من الناس، وهذا ساهم إلى حد بعيد في الجهود الخاصة للإسعاف والإنقاذ والتحري عن الفاعلين، وفي الصقيع الذي مر بالمملكة السنة الماضية استخدمت الحكومة صلاحيتها لمنع الناس من الخروج من منازلهم حفاظاً على المصلحة العامة، وهذا من حقها، والقانون يحاسب أي شخص تتسبب مخالفته للتعليمات بحدوث أضرار للمصلحة العامة، ومثل هذ الاجراء ليس بدعة، بل هو إجراء قانوني تطبقه معظم الدول عند الحاجة.
(2) توزيع سيارات الدفاع المدني: حيث أنه في الوقت الحالي تكون سيارات الدفاع المدني من اطفائية واسعاف وانقاذ مصطفة داخل مراكزها، ولا تتحرك إلا لتبية نداء غرف العمليات والسيطرة، ومراكز الدفاع المدني موجودة في أماكن معينة في العاصمة، ولا يمكن اقامة مركز دفاع مدني في كل حارة أو شارع، لذلك يجب أن يتم توزيع سيارات الدفاع المدني الصغيرة خارج مراكزها في النقاط الحساسة، كما تفعل سيارات النجدة والسير، ويمكن النظر إلى خارطة عمان وتحديد الأماكن الشديدة الازدحام لتوزيع سيارات الدفاع المدني فيها، وهذا سيختصر المسافة للوصول إلى مكان الهجوم.
(3) مهابط الهليكوبتر: تم مؤخراً السعي إلى إنشاء جناح جوي للدفاع المدني لتقديم خدمات الاسعاف الجوي، وهذه خطوة هامة، وفي الدول التي تستخدم هذه الخدمة يتم استخدام أسطح المباني العالية كمهابط، والسؤال هو أين هي المهابط على اسطح البنايات لدينا وقد احتلت الدشات وخزانات المياه وأعمدة الاتصالات كل الأسطح ؟ لذلك يجب أن يتم وضع اجراءات الزامية لكل المباني المرتفعة لتوفير مهابط مناسبة لطائرات الهليكوبتر، ومن هذه المباني أسطح وساحات المدارس والمستشفيات والمجمعات التجارية وداخل الحدائق العامة.
(4) وحدات الأمن الخاصة: كيف ستصل إلى مكان الهجوم الارهابي بسياراتها الكبيرة أو ناقلاتها المدرعة وسط الازدحام الشديد ؟ وهنا أقترح الحل الذي طالعته في كل من تركيا واندونيسيا، وهو تشكيل قوة تدخل سريع تستخدم الدراجات النارية، كل دراجة مكونة من طاقم من فردين مسلحين، حيث يمكن للدراجة القوية أن تصعد أو تهبط الدرجات وأن تسير على الارصفة أو الجزر بين الشوارع، وأن تتخلل بين السيارات الواقفة وأن تعبر الأراضي الترابية غير المسفلتة بكل سهولة، ومن شأن إستخدام الدراجات أن ييسر ويختصر سرعة وصول قوة التدخل الأمني السريع لمواجهة الارهابيين أو مطاردتهم.
ثالثاً: المراقبة الجوية: تأسس الجناح الجوي للأمن العام سنة 1988 وذلك بتسلمه طائرات هليكوبتر من ألمانيا من نوع MBO-105 ثم ما لبث أن تسلم في سنوات لاحقة طائرات من نوع EC-635، والجناح الجوي يقوم بمهام المراقبة الجوية لتسيير حركة السير وكذلك لدعم وحدات الأمن الخاصة، ولكن مهمة المراقبة الجوية تحديداً، لم تعد في الدول المتقدمة تقتصر على طائرات عمودية يتم ارسالها لبضع ساعات في اليوم أو الأسبوع، بل يجب أن تكون المراقبة على مدار 24 ساعة طوال ايام الاسبوع، ومن هنا فقد تطورت المراقبة الأمنية الجوية اليوم فاصبحت الكثير من الأجهزة الأمنية تستخدم الطائرات بدون طيار UAV، وكذلك استخدام المناطيد الثابتة المزودة بكاميرات مراقبة، وهذه الاخيرة هي الوسيلة الأفضل حيث تقوم شاحنة صغيرة باطلاق منطاد في الهواء إلى الإرتفاع المطلوب ويبقى مربوطاً بالشاحنة، ويبقى المنطاد لأيام وهو في موقعه دون حراك حيث تقوم كاميراته النهارية والليلية بتصوير كل ما يجري على الأرض، وقد استخدمت اسرائيل هذا النوع من المناطيد لمراقبة قطاع غزة حيث يمكن لمنطاد واحد أن يغطى عشرات الكيلومترات المربعة، ولا يمكن اسقاطه حتى لو تعرض لاطلاق النار حتى عيار محدد، وبالنسبة لعاصمتنا الحبيبة فيكفي استخدام أربع أـو خمس مناطيد من هذا النوع لمراقبة أغلب مساحتها.
رابعاً: الاعلام والتوجيه: إن للإعلام والتوجيه دور كبير في توعية المواطنين، واعدادهم لكي يستطيعوا أن يتعاملوا مع أية هجمات لا قدر الله، والتخفيف من ردة الفعل النفسية لهذه الهجمات، حيث أن التنظيمات الارهابية تعلم علم اليقين بأن تفجير هنا أو تفجير هناك وقتل للعشرات من الناس، لن يغير سياسة دولة، ولكن الارهاب يعتمد بالاساس على احداث أكبر ضرر وتأثير نفسي على مواطني الدولة التي يضربها، لكي تحدث لديهم ردود فعل سلبية ومتسرعة وغير محكومة بعقل تجاه الحدث، فيتم ضرب الجبهة الداخلية واضعافها وكشف ظهر القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على الحدود، وبالتالي اختراق الحدود لا قدر الله من الارهابيين، لذلك تقع على الدولة مسؤولية ادارة الاعلام وتوجيه المواطنين وتوعيتهم بما يرمي ويهدف إليه الارهابيون، وتحصينهم ضد الاشاعات التي يتم تداولها في هكذا أوقات.
خامساً: التدريب المستمر: إستكمالاً للنقطة رابعاً، فإن الكلام النظري لوحده لن يكون كافياً ما لم يتم تعزيزه بتدريبات واسعة يشارك بها أكبر عدد ممكن من مواطني المملكة، وذلك بافتعال هجمات وهمية ودراسة ردود فعل المواطنين وتوجيههم إلى الأسلوب السليم للتعامل معها، ومثل هذه التدريبات يجب أن تشمل كافة وسائل الاعلام المرئي والمسموع والمقروء ووسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك طلاب المدارس والجامعات، وموظفي جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، ويجب أن يتم دراسة وتحليل النتائج بكل موضوعية لوضع اليد على أماكن التقصير والبحث عن حلول لها.
وختاماً، أدعو الله العلي القدير أن يحمي بلدنا ومواطنينا وقيادتنا وجيشنا وأجهزتنا الأمنية، ويجعل كيد الكائدين في نحورهم، وأن يجعل بلدنا آمناً مطمئناً سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين اللهم آمين.
