
اتفاقية اليرموك: كيف قُيِّدت حقوق الأردن المائية باتفاقٍ اختل فيه ميزان العدالة؟
بقلم د. محمد بني سلامة
في ظل التحديات المائية المتفاقمة التي يواجهها الأردن، تبرز اتفاقية تقاسم مياه نهر اليرموك مع سوريا كواحدة من أكثر الاتفاقيات إثارة للجدل من حيث آثارها القانونية والعملية على الأمن المائي الوطني. فرغم ما حملته الاتفاقية من شعارات التعاون والتنمية المشتركة، إلا أن القراءة المتأنية لبنودها تكشف عن اختلال واضح في التوازن، أفضى إلى نتائج أضرت بالمصلحة الوطنية العليا للأردن، خاصة إذا ما قورنت الأهداف النظرية بالأرقام الفعلية التي كان يفترض تحقيقها بموجب الاتفاقية.
أولاً: سيطرة المنبع مقابل هشاشة المصب
من المبادئ المستقرة في القانون الدولي للمياه أن موقع الدولة على مجرى النهر يؤثر بشكل مباشر على قدرتها في فرض حقوقها. وقد منحت الاتفاقية سوريا، بحكم وقوع معظم منابع نهر اليرموك داخل أراضيها، مساحة واسعة للتصرف بالمياه قبل وصولها إلى الأردن، دون وجود آليات رقابية فعالة تضمن عدم الإضرار بحصة الأردن.
وتعزز ذلك نصوص الاتفاقية التي لم تُقيّد الاستخدام السوري بشكل صارم، إذ ورد في المادة (4) ما يفيد بالسماح لسوريا بإقامة منشآت مائية ضمن الحوض، حيث نصت على:
“يحق للجمهورية العربية السورية إنشاء السدود والمنشآت المائية على روافد نهر اليرموك ضمن حدودها وبما لا يؤثر على الحقوق المائية للطرف الآخر.”
غير أن عبارة “بما لا يؤثر” بقيت عامة وغير محددة بمعايير قياس واضحة، ما أتاح هامشًا واسعًا للتفسير الأحادي.
ففي حين كان متوسط التدفق الطبيعي لنهر اليرموك يُقدّر بنحو 400–500 مليون متر مكعب سنويًا، لم يحصل الأردن فعليًا في كثير من السنوات إلا على أقل من 50 مليون متر مكعب، وهو رقم يعكس فجوة كبيرة بين ما هو مفترض وما هو متحقق.
هذا الواقع جعل الأردن، فعليًا، في موقع التابع لتدفقات غير مضمونة، رغم كونه شريكًا أصيلًا في الاتفاق.
ثانياً: شرعنة حجز المياه عبر السدود
سمحت الاتفاقية لسوريا بإنشاء عدد محدد من السدود ضمن حوض اليرموك، وقد تراوح هذا العدد بين 24 إلى 28 سدًا وفق التفسيرات الفنية للاتفاقية، وهو ما يتعارض مع مبدأ “عدم إحداث ضرر ذي شأن” المعترف به دوليًا.
ويستند ذلك إلى المادة (4) التي أتاحت إنشاء هذه السدود ضمن شروط عامة، دون وضع قيود كمية صارمة أو نظام رقابي ملزم، ما جعل النص أقرب إلى إقرار ضمني بحق التحكم المسبق بالتدفقات المائية.
فالسدود، بطبيعتها، تمكّن الدولة العليا من التحكم بالتدفقات المائية، وهو ما انعكس سلبًا على الكميات الواصلة إلى الأردن.
غير أن الواقع العملي تجاوز حتى ما سمحت به الاتفاقية، إذ تشير المعطيات إلى أن الجانب السوري قام بإنشاء ما يقارب 49 سدًا ضمن الحوض، أي ما يزيد بشكل كبير عن العدد الذي تم التوافق عليه، الأمر الذي فاقم من حجز المياه وأدى إلى تقليص التدفقات بشكل غير مسبوق نحو الأردن.
وبدل أن تكون الاتفاقية أداة لتنظيم الاستخدام، تحولت إلى غطاء قانوني لتقليص التدفق المائي نحو الأردن، بل وتجاوزه عمليًا على أرض الواقع.
ثالثاً: غياب الحصة الملزمة وآليات التنفيذ
من أبرز أوجه القصور في الاتفاقية أنها لم تحدد حصة رقمية صارمة وملزمة للأردن مصحوبة بآلية تنفيذ أو عقوبات في حال الإخلال. وقد اكتفت بنصوص عامة حول “التوزيع العادل”.
وتُظهر المادة (7) هذا القصور بوضوح، إذ نصت على:
“يتم توزيع المياه المخزنة في سد الوحدة بين الطرفين وفق ما يتم الاتفاق عليه وبما يحقق الاستخدام الأمثل والعادل.”
وهذا النص، رغم طابعه التوافقي، يفتقر إلى أي تحديد رقمي ملزم أو جدول زمني للتنفيذ، ما يجعله عرضة للتأجيل أو التفسير وفق المصالح.
ورغم أن بعض التقديرات كانت تشير إلى إمكانية حصول الأردن على ما يزيد عن 200 مليون متر مكعب سنويًا في حال التطبيق الأمثل، إلا أن غياب النص الصريح الملزم جعل هذه الأرقام غير قابلة للتحقق عمليًا.
هذا الغموض القانوني أضعف قدرة الأردن على المطالبة بحقوقه، وفتح الباب لتفسيرات أحادية الجانب.
رابعاً: تحميل الأردن العبء المالي دون ضمان العائد
رغم أن المشروع المشترك (سد الوحدة) يفترض أن يخدم الطرفين، إلا أن الاتفاقية حملت الأردن الجزء الأكبر من تكاليف الإنشاء والتشغيل.
وتشير المادة (7) ضمنيًا إلى إدارة السد وتقاسم مياهه دون ربط ذلك بتوزيع عادل للتكاليف، ما أدى عمليًا إلى حالة يتحمل فيها الأردن الكلفة دون ضمان حصة مائية واضحة.
حيث تجاوزت كلفة إنشاء السد نحو 100 مليون دولار، تكفل بها الأردن بشكل رئيسي، مقابل التزامات سورية محدودة تقتصر على التسهيلات.
وقد صُمم السد بسعة تخزينية تقارب 110–115 مليون متر مكعب، إلا أن الكميات الفعلية المخزنة غالبًا ما كانت أقل بكثير نتيجة نقص التدفقات.
هذا الترتيب يخل بمبدأ التوازن في الالتزامات، حيث يتحمل الأردن الكلفة بينما لا يحصل على عائد مائي مضمون.
خامساً: اختلال توزيع الطاقة الكهربائية
لا يقتصر الخلل في الاتفاقية على تقاسم المياه، بل يمتد إلى توزيع العوائد الاستراتيجية للمشروع، وعلى رأسها الطاقة الكهربائية الناتجة عن سد الوحدة. إذ تنص الاتفاقية صراحةً على:
“توزع الطاقة الكهربائية التي يمكن توليدها في منشأة سد الوحدة الكهربائية بين الأردن وسورية بنسبة (25% للأردن و75% لسورية)”.
ويكشف هذا النص عن تفاوت صارخ في توزيع المنافع، حيث تحصل سوريا على ثلاثة أضعاف حصة الأردن من الطاقة، رغم أن الأردن هو الذي تحمّل العبء المالي الأكبر في إنشاء السد، وهو الطرف الأكثر حاجة لهذه الموارد.
هذا التفاوت لا يعكس مبدأ الشراكة، بل يكرّس واقعًا غير متوازن، يجمع بين سيطرة الدولة العليا على المياه قبل التخزين، وحصولها على الحصة الأكبر من الطاقة بعد التخزين، ما يعزز وصف الاتفاقية بأنها تنطوي على غبن واضح في توزيع الحقوق والعوائد.
سادساً: الإبقاء على حق الاستخدام السوري الواسع
أبقت الاتفاقية لسوريا حق استخدام المياه داخل أراضيها، حتى بعد إنشاء السد، دون وضع قيود صارمة تضمن عدم التأثير على الحصة الأردنية.
ويُفهم من المادة (4) أن الاستخدام الداخلي السوري للمياه ظل قائمًا ضمن حدود عامة غير قابلة للقياس، الأمر الذي سمح بتوسع الاستخدام الزراعي والمائي على حساب التدفقات المتجهة للأردن.
كما أن استخدام المياه من قبل الجانب السوري قبل وصولها إلى مجرى السد أدى إلى تقليص فعلي في الكميات المتاحة للأردن.
سابعاً: ثغرات خطيرة في تنظيم المياه الجوفية
لم تعالج الاتفاقية بشكل واضح مسألة حفر الآبار واستنزاف المياه الجوفية ضمن الحوض، وهو ما أدى لاحقًا إلى حفر آلاف الآبار في الجانب السوري، واستنزاف الخزان الجوفي المغذي للنهر.
وقد ساهم ذلك في انخفاض التدفقات السطحية بشكل ملحوظ، ما انعكس مباشرة على حصة الأردن.
هذه الثغرة تمثل إخلالًا جوهريًا بمفهوم الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
الخلاصة: اتفاقية بلا أسنان قانونية
إن اتفاقية اليرموك، بصيغتها الحالية، تعكس نموذجًا لاتفاقيات التعاون غير المتوازن، حيث غلب الطابع السياسي على الاعتبارات القانونية والفنية. فقد افتقرت إلى أدوات الإلزام، وآليات الرقابة، والتوازن في توزيع المنافع والأعباء.
وقد جسّدت نصوص مثل:
“بما لا يؤثر على الحقوق المائية للطرف الآخر” (المادة 4)
و
“وفق ما يتم الاتفاق عليه وبما يحقق الاستخدام الأمثل والعادل” (المادة 7)
مثالًا واضحًا على الصياغات الفضفاضة التي تفتقر إلى الإلزام، ما جعلها غير كافية لحماية الحقوق المائية الأردنية.
كما أن نص توزيع الطاقة الكهربائية بنسبة 75% لسوريا مقابل 25% للأردن يمثل دليلاً إضافيًا على اختلال ميزان العدالة في الاتفاقية، ليس فقط في المياه، بل في مجمل العوائد الاستراتيجية للمشروع.
كما أن تجاوز عدد السدود المنشأة فعليًا إلى نحو 49 سدًا يعكس فجوة صارخة بين النص والتطبيق، ويؤكد أن الاختلال لم يكن قانونيًا فحسب، بل امتد ليصبح واقعًا مائيًا ضاغطًا على الأردن.
وبدل أن تعزز الاتفاقية الأمن المائي الأردني، ساهمت في تكريس حالة من الاعتماد وعدم اليقين، الأمر الذي يستدعي إعادة تقييمها في ضوء القانون الدولي للمياه ومبدأ حماية المصلحة الوطنية العليا.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية قد وُقعت عام 1987، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا في الأوساط القانونية والسياسية: هل فرّطت تلك الحكومة، عن قصد أو بحسن نية، بجزء من الحقوق المائية الأردنية؟ وهل كانت الظروف السياسية آنذاك مبررًا لقبول نصوص لا توفر الحماية الكافية لمصالح الأردن الاستراتيجية؟
إن الدفاع عن الحقوق المائية لم يعد خيارًا، بل ضرورة سيادية تمس حاضر الأردن ومستقبله.




