هزيمة تقوم مقام النصر

هزيمة تقوم مقام النصر

د. عبدالله البركات

لم يأتِ النصر الذي انتظرناه بل انتظره من هم أحق بإنتظاره، لم يهزم العدو ولم ترفع راية المجاهدين لا على الأقصى ولا حتى على مشارف غزة. ودمرت غزة. وقتل من أهلها نساءً وأطفالاً وشيوخا ما لم يقتل في غيرها نسبة لعدد سكانها. ولم يكن الأمر بعيدا عن قول عمر ابو ريشة :
كيف اقدمت وأحجمت ولم
يشتفِ الثأر ولم تنتقمي
لقد اقدمت غزة وأحجمت وكرت وفرت واجترح أبطالها من الأعاجيب والأبداع والشجاعة ما لم نسمع بمثله إلا قليلا. ولكنها لم تنتصر. وأحبط من احبط وسخط من سخط وحزن من حزن بل حتى وكفر من كفر.
ليست هزيمة غزة ببدع من الهزائم المُشَرِّفة. هزيمة تقوم مقام النصر اذ فاتها النصر. فقد وقفت ووقف أبطالها وكما قال المتنبي في سيف الدولة الحمداني :
وقَفْتَ وما في الموت شك لواقف
كأنك في جفن الردى وهو نائم
نعم وقفت غزة وما في الموت شك لواقف وهزمت غزة بكل المعايير الحربية.
في مؤته لم تنفع بطولة زيد ولا شجاعة جعفر ولا إقدام عبدالله.
بل ولا دهاء خالد وإبداعه في تحقيق نصر ورضي من الغنيمة بالإياب وتخليص ما بقي من الجيش.
ولكن شيئاً لم يره الناس لا زمن النبي ولا في هذا الزمان. انما ابصره النبي بعين النبوة بل حتى بعين القائد الملهم. انه النصر القادم والبحر الهادر والنهر الجارف والنور الساطع. وكان ما رآه النبي بعد بضع سنين.
أما هزيمة غزة فلن يرى من الناس ما فعلته في العالم إلا القلة. وما احدثت من انقلابات وما أشعلت من حرائق وما كشفت من حجب وما نبهت من غافلين وما أضاءت من شموس وما ستزلزل من عروش وتسقط منّ رؤوس وتهزم من جيوش وتكشف من مجرمين.
هل هناك نصر يمكن أن يفعل مثل هذه الهزيمة.

مقالات ذات صلة
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى