
علمونا …ام علموا علينا؟
حين كنا طلابا في المدارس الاعدادية كنا نتعلم دائما عن اسباب سقوط الدولة العثمانية التي سميت بالرجل المريض في ذاك الوقت وكبرنا ونحن لا زلنا نرسخ في عقولنا ان اسباب انهيار الدولة يجب ان نتعلم منه .
كان من ابرز اسباب سقوط الدولة العثمانية في كتب التاريخ خاصتنا هو استمرار فرض الضرائب على الناس في ذاك الوقت حتى فاض الكيل وتم انهاء وجود الدولة نهائيا.
درسونا في كتب التاريخ شيئا و حذرونا منه ليمر الزمان علينا فنجد ان حكومتنا الرشيده اشبه ما تكون بالرجل المشلول وليس المريض فهي تقوم بفعل ما قامت به الدولة العثمانية وتسبب الاسباب لاسقاطها خصوصا انها تتبع السبب الرئيس وهو استمرارية فرض الضرائب.
حذرونا صغارا من فرض الضرائب وخطورتها على كيان الاوطان ورفاهية الشعوب وهاهم يعيدون التاريخ ويفرضونها بقساوة مطبقين الفعل الذين منه كانوا يحذرون .
لماذا درسونا في كتب التاريخ مثل هذه الاشياء ورسخوها في عقولنا حتى صرنا نرفضها جملة وتفصيلا ولماذا يطالبونا بان لا تكون دولتنا رجل مريض وهم يدفعون بها الى المرض والشلل الرباعي.
ثمة غرابة في تعاطينا مع الاحداث عبر الزمان فكل شيء بالمقلوب نطبقه وكل امر ننفذه بالعكس ولا ادل على ذلك الا الحكومات المتعاقبه التي كانت تخالف كتب التكليف السامي والتي كانت تنص بالحرص على الشعب وحياته الاقتصادية.
احاول ان اتذكر شيئا مما درسناه صغارا واستجمع ما ينزف من ذاكرتي المثقوبة لاجد ان من اهم ما تعلمناه ان من اسباب سقوط الدولة العثمانية الفساد واقصد فساد المسؤولين فيها وحذرونا من الفساد والمفسدين لنجد ان الفساد عم وطم واصبح بعد الرعاية الحكومية يتمتع بقاعدة شعبية.
علمونا في كتب علوم الارض ان الاردن بلد غني بالموارد ولا زلت ومنذ ان كنت في الصف السادس الابتدائي اتذكر حقل غاز الريشة والفوسفات والبوتاس واليورانيوم والصخر الزيتي وخوض الديسي وحوض البقعة وان الاردن من اغنى الدول بهذه الموارد لكني حين كبرت صرت اسمع من كل مسؤول ان الاردن بلد فقير الموارد بلا دخل ويعتمد على المساعدات التي تاتيه من الجوار.
قالوا لنا ونحن صغارا ان المواطن الاردني هو السند الحقيقي وان الشباب هم عماد الامة ومستقبلها فوجدنا حين توغلنا بالعمر ان سن المراهقة عندنا يبدا عند الستين وان الشباب الاردني لا زال يبحث عن خبرة كي يتوظف والمصيبة ان الخبرة لا تاتي الا بالوظيفه.
قالوا لنا ان مدارسنا وجامعاتنا من افضل الجامعات في العالم ولما كبرنا راينا ان العلم عندنا مبني على الدروس الخصوصية وان المدارس مجرد مكان فقط لتجمع الطلاب من الثامنة صباحا حتى الثانية ظهرا اما جامعاتانا بالاغلب فهي ماكل شارب نايم غايب ناجح.
وعلمونا قم للمعلم وفه التبجيلا … كاد المعلم ان يكون رسولا ..فوجدنا الامر يختلف حيث رايناه قم للمعلم ونكل به تنكيلا كاد المعلم ان يكون قتيلا.
قالوا في كتب التربية ان الاردن بلد سياحي وحثونا على السياحة الداخلية ولو ذهبت في رحلة الى العقبة ستكلفني حسب اخر راتب اخذته دخل سنة كامل بينما في غير الاردن ربما احتاج لراتب شهر.
علمونا ونحن صغارا عن الحقوق والواجبات والعدل والمساواة بين افراد الشعب فوجدنا بعد رحيل العمر .. ان المناصب والمكاسب يتداور على اداراتها خمسون شخصا فقط لا يموتون فان كتب الله عليهم الموت ورثوا لابنائهم.
علمونا عن الديمقراطية والحرية والتعبير فوجدنا ان ما تعلمناه كان حبرا على ورق فالديمقراطية اصبحت شتما اما حرية التعبير فهي لا تتعدى المديح غير ذلك فان السجون بانتظارك مع الغرامات ان انتقدت او كشفت مصيبة او لمحت الى شيء .
وعلمونا ان مجلس النواب سلطه رقابية تشريعية على اداء الحكومة فوجدنا ان الحكومة هي من تشرع وتراقب النواب بل ربما في بعض الاعيان تقوم بتعيينهم لا قدر الله.
علمونا ان الرياضة ذوق واخلاق ولما كبرنا وجدنا ان الرياضة عندنا شتم وردح واقليمية وعنصرية وسمسرة وزعبره ورياضة بلا رياضيون .
علمونا في كتب التاريخ ان اسرائيل عدونا الازلي وحين كبرنا وجدنا انها جارة ولها علينا حق الجيرة ….والمحبة والاحترام وتعلمنا على حب الاوطان ولما كبرنا عن الحب قررنا الرحيل.
علمونا ان الاعلام رسالة ولما كبرنا وجدنا ان الاعلام بوجه واحد ولون واحد وبزوايا مختنقه برائحة الجثث المتحركة قسرا وبان المواهب مدفونه اما قوالب الخشب المسنده فهي الظاهرة للعيان.
علمونا الكثير الكثير ولا زلنا نحفظ الكثير وكلما تذكرنا ما تعلمناه وجدنا عكسه تماما ومنذ ان تفتحت عيوننا على الدنيا ونحن نتعلم لكنهم لم يعلمونا شيئا واحدا وهو ان الكذب حرام ولم يعلمونا كيفية الهبوط بالمظلات على الوظيفه ولم يقولوا لنا يوما ان الرفاهية هي السردين والبوليبيف
والله لا اعرف هل هم فعلا علمونا ؟ ام علموا علينا ؟

