
أزمة ثقة
الثقة هي اساس وعمود العلاقات سواء البسيطة منها او المعقدة ، فإذا وجدت الثقة وأسس لها بشكل يحترم العقول والحاجات كان لها نتائج باهرة على كل الأصعدة ، بدءا بالجوانب الإقتصادية للأفراد والمجتمعات ومرورا بالجوانب الإجتماعية والتعليمية والثقافية … وانتهاءا بالمشهد السياسي للدولة
دعونا نبسط الصورة …
لا يمكن لعلاقة ناجحة بين طرفين مهما توفرت لها شروط ومقومات مهمة وحيوية ، كالحب او المال او النفوذ ان تنجح دون حجر الأساس الذي لا يقوم البناء او العلاقة الا عليه الا وهو الثقة المتبادلة ….لماذا ؟
اولا : إن اي علاقة بين طرفين يكون هدفها الأول والأساسي هو تلبية حاجة انسانية مهمة ، وهي الإحساس بالأمان وعندما لا تتوفر الثقة ينعدم الإحساس بالأمان ، مما يؤدي الى تضاؤل اهمية هذه العلاقة ومن ثم الوصول الى رفضها والتمرد عليها
ثانيا : إن اي علاقة يشوبها الشك والتشكيك الدائم بنوايا الآخر هي علاقة تستنزف الجهد والنشاط المفترض توجيهه لأمور اخرى أهم وأفضل ، وهنا يبقى المنتج النهائي لهذه العلاقة في ادنى مستوياته وسرعان ما تبدأ مظاهر التخلف تنمو وتتغذى عليه
ثالثا : في العلاقات التي تفتقد الثقة كعنصر اساسي ، يبدا الأفراد المكونين لها بالبحث عن مصالحهم الخاصة وتصبح محاولة تحقيق مكاسب فردية مختلفة بأي طريقة كانت هي همهم الأول والأخير ، دون أي اعتبار او إحترام لمن يشاركونهم هذه العلاقة ليتولد بذلك ما يسمى ماراثون او سباق المكاسب ، ومعه يظهر الفساد وينتشر بحيث يصبح وباء فتاك يفتك بكل ما يحيط به
رابعا : إن اي جهد او تطوير يراد القيام به من داخل المجموعة المرتبطة ببعضها دون وجود عامل الثقة بينهم ، سوف يواجه بمقاومة شرسة من ذات افرادها لأن الدفاع عن المعتقدات الشخصية الفرديه في ظل اختفاء روح الجماعة يصبح اولوية تتصدر المشهد ، وقد تتسم ردود الأفعال بالعنف غير المبرر على ابسط سبب
خامسا : في العلاقات التي تفتقد الثقة يفتقد فيها الشعور بالإنتماء فما هو ملك للمجموعة لا يعتبره الأفراد ملكا لهم ، وبالتالي لا يكون هناك اكتراث للحفاظ عليه وحمايته ، فيصبح سلوك الانانية هو السائد وفي هذا بداية انهيار الكيان الواحد سواء على النطاق الفردي او المجتمعي
ثقة الشعوب وعلاقتها بمسؤوليها لا تختلف كثيرا عما سبق ، على العكس إن لها حساسية وخطورة مضاعفة ، اذ تشكل الثقة عصب الحياة والشريان الرئيسي لوجود هذه الشعوب وتطورها ، وترسم لها حقوقها وواجباتها ، وتؤسس لإنتمائها لما يسمى دولتها
وانظروا هنا كيف يتشكل ويستمر ما سبق ذكره لكن على مستوى اكبر …
إن الدول التي لا تستطيع ان توفر لمواطنيها الإحساس بالأمان الإقتصادي والإجتماعي هي دول هشة وصورة مشروخة ، مهما وضعت نفسها في برواز او إطار مصطنع يوحي ان ما بداخله شي ثمين وذو قيمة …
وهي دول مستنزفة لأن جهود افرادها مسلطة لمراقبتها خوفا من طغيانها عليهم ، مما لا يبقي اي جهد او وقت للتطوير والإبداع الذي يعلو به الفرد ويعلي معه شأن أمته …
وهي ايضا تلك الدول التي يتسابق افرادها على تحصيل ما يمكن تحصيله من مكاسب عند اقرب فرصة يتولون فيها مناصب رفيعة لفترة زمنية محددة ، لأنهم في الحقيقة لا يأمنون جانبها ولا يشعرون بعدالتها…
وهؤلاء ذاتهم هم أول الناس الذين يحاربون اي اصلاح او تغيير ، لأن دوافعهم شخصية تخدم مصالحهم او معتقداتهم الخاصة ، وبذلك يشتعل فتيل الحرب الأهلية ما بين افراد الشعب الواحد لإن قرار وإقرار التغيير فردي لا جمعي …
وفي ذلك نهاية محزنة تصغر فيها الأوطان لتمسي مجرد …..،
وهنا ينتهي الكلام المباح …

