
وجاءتْ من أقصى المدينة امرأةٌ تسعى
سفرٌ هي الحياةُ ، وطريقٌ طويلة ، والأشقياء المتعبون يرتحلون ، والعابثون كثر ، وسيدةٌ تمدُّ ساقيها في بركة النفط ليشتعل القطارُ ، وتمضي الذكريات !
لقد تحوّل النهار ليلا ، وزاد الليلُ من همّ الغريب ، وتزاحمتْ همومُ الباكين ، وقصص الذين غرقوا قبالة سواحل الموت ، والغريبُ هو الغريبُ !
وعلى شاشة الهاتف الذكي يظهر الأغبياء ، ويكثر العاشقون ، على اعتبار أن العشق صورة وكلمات خدّاعة ، وتبادل للحوار المبني على انهيار ، وجاءتْ من أقصى المدينة امرأةٌ تسعى ، يا هيه ! من أنت ؟ ألنا عشرون دقيقة في الصمت والحداد ؟ قفْ بالمعرة وامسح خدّها ، ومصراتة تبكي ودّها ، … وبعد العشرين دقيقة تريد أن ترى عبر آلاف الكيلو مترات فارس الليل البهيم ! والليل ليل !
وماذا بعد ؟ وحين ترينه هل ستعود المدن الغريبة ؟ وتنتهي الحرب القريبة ؟ وتموت كلّ أسلحة الدمار ؟ ونعيش كما نريد لا تتسلى بلحومنا الهزيلة طائرات الناتو ؟
يا هيه ! أيتها الفتاةُ : لا تقفزي بالنهر ، النهر من دمائنا ، وكل الذين أحبهم ماتوا !
ماذا تريدين من رجل ابيضت مفارق الشعر فيه ؟ ماذا تريدين من رجل لم يعبث بالقلوب حين كانت القلوب تهفو إليه ؟ ماذا تريدين مني ؟ وأنا المسافر إلى دنيا بعيدة ، غير التي تطلبين !
وأنا أخاف ! نعم أخاف أن أجلس مع سيدة ذات رموش مستعارة ، وأظافر مستوردة ، ووجه بألوان الطيف الستة مليون !
أنا أخاف ! لا تطلبي مني أن تريني ، ولولا مخاطبتي إياك لم ترني ، وتظهرين كمن تستعرض الأزياء في باريس في رأس السنة الجديدة !
يا سيدة العشق : طريق العشق يوصل للكرامة ، وإلى الإباء وإلى الطهارة ، لا يوصل العشق إلى الحضيض ، والحضيض أبو القذارة !
لستَ رجلا ! تخاطبني المراهقة الحزينة ، فمن أنا ؟ قولي بحق الله من أنا ؟ وما معنى الرجولة ؟
إذا كشفتُ ساتري ،ونزعتُ عوراتي أصبحت دمية يتناقلها الزعران بأقدامهم فوق الرصيف ، وفي الليلة الطويلة ، أنا سموتُ بأخلاقي النبيلة ، وأموت يا سيدتي إن ماتتْ الفضيلة .
أغلقُ حسابي ؟ سأفعل ، فما رأيت من فضل في هذا التواصل ! وهل ذنبي أنني أخجل من أن أردَ من يطرح عليّ التحية ؟ وإن كان السلام يجر ويلات البرية ، فليس هذا بالسلام ، وماهذا معنى التحية !
– سلام وإن كان السلام تحية *** فوجهك دون الرد يكفي المسلما
أأرحل عن هذا العالم الافتراضي ؛ ليطيب من صنع الإشارة والتعب ؟ سأرحل ، وآخذ معي دفتري وقلمي ، وصورة أمي ، وألعابي التي جاءت بها أمي إليّ ، وعلّمتني كيف أبصر الدرب وأنجو إذا أحسنتُ خطواتي ، وأبصرتُ هفواتي ، وعرفتُ أن أمي سيدة كبرت ولم يرَ منها سوى الوجه والكفين !
يا سيدة العلم الجديد ، وحاضرة الحضارة : أنت جميلةٌ فلا تذهبي إلى الجحيم ، بالله لا تكشفي وجهك لكل مارق غريب ، ولا تكوني قطعة حلوى يكثر عليها الذباب !
أنت جميلةٌ وعيونك البحر ، فلا تغرقي في طوفان نوج ، واركبي على ظهر السفينة ، فإن السفينة سيدتي تطفو فوق الشهوات ، وتعلو على الأجساد الرخيصة ، وتمضي إلى الجودي بإذن الله .

