.محمد طملية يعود الى الكرك مجدّداً

[review]جرت العادة أن يزورَ العمانيون أمهاتِهم البعيدات في نهاية كل اسبوع..محمّلين بالهدايا البسيطة والفاكهة الموسمية ..وها نحن مثلَ كل العمّانيين..نعود إلى أمِّنا الكرك..محمّلين بشوقنا الموسمي، وبقبلات الرضا الطازجة…طامعين بغفوة إبداع على صدر "ستّ الكل" تريحُنا من ركض الدنيا ومن وجع المسافة ولو ساعة..
مساء الخير للكرك..مساء الخير للطيبين الطاهرين..مساء الخير لملتقى الكرك الثقافي ممثلاً بصديق الساخرين استاذ المبدعين د. حسين محادين ..الذي أعادنا جميعاً أحياء وأحياء الى الكرك الخالدة مجدّداً…

لم أكن أعرف قبل خمس او سبع سنوات ماذا يعني حفل تأبين؟..كنت أظنه شيئاً يشبه الطهور، توزّع فيه القضامة والملبّس وحلو الناشد وشخص محتفى به يتلقى القبل والتهاني.. وعندما بدأت اقرأ إعلاناتِه في الصحف، تحديداً في صفحات الأموات والثقافة .. أدركتُ أنه شيء يخص الموت..ثم دفعني الفضولَ وشاركت بحفلين أو ثلاثة في السنتين المنصرمتين..لم اجد فيه ما كنت اتخيلْ…رجالٌ في منتهى الجدية، ونساءُ يتمتّعن بفائض انتاج من (القنوط) وكلماتٍ تلقى تباعاً عن المتوفى، ميكرفونات تصفر، وكراسي من غير مساند، وأركسترا من المولولين ..يقودها متقاعد قديم ينفخ خدّه الأيسر ثم يطلق زفيراً طويلاً يتبعه بعبارة :"لا حول ولا قوة إلا بالله"..لقد صدمت حقاً..فلو كان الميت حاضراً لحفل تأبينه لمات من جديد..

علي أي حال..لا أدري ان حدثت من باب المصادفة أم لا، ان تحدّد هذه الجلسة.بالتزامن مع مولد محمد طملية الذي يصادفُ بعد اربعة ايام في 14-11-..مهما كان الجواب، فهي مصادفة جميلة …على الأقل لأشعر ان ما سأقوله اليوم هو اقرب لحفلةِ "المولد" منه "لحفل التأبين"…مع اختلاف بسيط..ففي"المولد" هناك شعير مقري" اما في مولد المبدع "هناك نصوص مقرية"…

عندما نتحدّث عن محمّد طملية الشخص..نتحدّث عن متناقضاتٍ مدهشة..شعر أشيب ولحية وقورة وصوت مطمئن وحكمة لا بأس بها ، ومع ذلك لم يكن الرجل ورعاً !!!….يختفي في الأوقات التي كنا نحتاجه ، لكنه يظهر في ألأوقات التي لا نتوقعَه.. نشتهي صعلكتَه..لكننا لا نملك جرأتَه..يسخر من كل شيء ، لكنه يخاف أي شيء، لم يخضع لقانون أو محذور في حياته لكنه لم يتجاوز أي منها في حياته… عاش طبيعيا..مثل نبتة برية، لم تلمسه يد الزارع، أو تعدل قوامه أصابع "جنايني"..عاش محمد طملية لمحمّد طملية..ولم يعش لغيره…مما جعله "خلطة بشرية" غامضة ونادرة وجديرة بالتقليد والحسد ايضاَ.. بالمناسبة لا أجد فرقاً شاسعاً بين محمّد طملية الشخص ومحمد طملية النص ..فنصه كذلك يصدمنا عندما نتوقع منه ان يؤنسَنا..يدمينا..عندما نريده ان يسعفَنا..يبكينا عندما نحتاجه ان يضحكنا..يغرز في خواصرِنا نصل اشارة الاستفهام ويغادر..انه محمد طملية النص…
شخصياً، لا زلت أقرأ من قواميسه الساخرة، مفردات الابداع…( تناقضه الشهي) جعلني أجلس قبالتَه مثل صبّي مجتهد يتابع صانع محترف ، أراقبه كيف يمزج النار والماء بيدٍ واحدة ويجعلهما مادة طيّعة مثل المعجون ، ثم أتابعه ببلاهةٍ وهو يقصّ المعتاد من الكلمات يغير قياسَها ويخيطها من جديد بخيط الدهشة…ثم يقلّب الأفكار المتّقدة ، بين إبهامه والسبابة مئة مرة بالدقيقة تماماً كما يفعل مع سيجارته المشتعلة..فلا تنطفئ الفكرة ولا تحترق أصابعه!!..لا ادّعي أنه علّمني الكثير ..لكنه بالتأكيد أدهشني وأدهشني…

مقالات ذات صلة

عندما اهداني كتابه الأخير "اليها بطبيعة الحال" بعد مفاوضاتٍ طويلة على الهاتف بأن يترك توقيعاً معقولاً..لا يتضمن شتيمة بذيئة تخص الأرحام..وافق وكتب لي ما يلي: "صديقي احمد لا اعرف ماذا اكتب لك؟ لكني فعلاً احبّك" صحيح انه اهداء مؤدب لكنه غير كافٍ انا أعرف محمد جيداً..المهم تصفّحت الكتاب..فلاحظت ان الكتاب بالصدفة لا يحتوي "فهرسا"..اتصلت به، قلت له: كم تشبه كتابك..سألني ماذا تعني: قلت له الا تلاحظ انك والكتاب بلا فهرس….عندها ضحك و"شتمني" فارتحت..بالفعل في الصفحات الأولى من الكتاب اختزل محمّد طملية كل أحزانه ، فكتب عن أبيه الذي مات في العراق ، وعن رحيل أخيه اسماعيل ، وعن أمه حليمه أم الحزب وأم الحزن…صفحات لم تخضع لترقيم محدد عند طملية ، فكلّها أوجاع ،والأوجاع لا ترتّب…عندها عذرته على تجاوز الفهرسة.

لا شك ان محمد طملية أول من اقتحم الكتابةَ الساخرة بجدّية، لكنه لم يسيّجها بأسنانه ولم يتمنّن على الأوساطِ الأدبيةِ "بحق التأسيس" ، فلم يكن يهتم كثيراً بالألقاب ولم يكترث بالمسميات،ولم ينازع احداً على موقع أو منصب، لم يتكلم عن نفسه، ربما لأنه لم يكن يجد نفسه كثيراً حتى يتكلم عنها… كان همّه ان يكتب..لأنه يحب أن يكتب، محمّد طملية الحالة والهالة..التي لا يمكن ان تبدد بمرور الزمن أو تنطفىء بعد تناقص الأوفياء ..ليس لدي الكثير لأقوله عن محمد طملية ، لكنني أشعر بغصة عندما أرى مكانه فارغاً في العرب مثل الظفر المخلوع…فكلما نظرت الى ذاك المستطيل أوجعني قلبي..
أخيراً يقولون عن مكان الولادة.. انه مسقط الرأس..وانا أقول أن مكان الوفاة هو مسقط الرأس ايضاَ..الى محمّد طملية الممتد من الكرك الى سحاب..ومن التراب الى السحاب……لا غرابة ان تعود ايها المبدع الى الكرك مجدداً…فالمبدع في أوطاننا يولد حين يموت…

احمد حسن الزعبي
ahmedalzoubi@hotmil.com

*الكلمة التي القيت في امسية ملتقى الكرك الثقافي يوم الثلاثاء الماضي 10-11-2009 بعنوان "محمد طملية يعود الى الكرك مجددا"

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى