حارة القتام / إبراهيم محمد العمري

حارة القتام
الإعلام العربيُّ المدفوع مُسبقا يناقشُ ويُحلِّلُ ويُنظّرُ ويُقعِّدُ لأمورٍ منقوعة منذ سنين، ولا يجرؤ على الاقتراب من قضيّة واحدةٍ تَمَسُّ الإنسانَ العربيّ إلا إذا كانَ الحديثُ عنها يخدمُ مصلحة الجهة التي تمُدُّه بالمعلومة وثمن الضّمير، وفي ذلك تتحوَّلُ الشّاشاتُ العربيّةُ إلى أنبياء ورسلٍ تُبشّرُ بدِينٍ جديدٍ ليس لله فيه شيء، ولا مكانَ للإنسانِيَّةِ والإنسانِ في محاريبهِ، فهذا الدّينُ ربُّهُ الرّيال وكِتابهُ وجوهٌ خلت من الدّماء فابيضّت بالخيانةِ والكذبِ لا تبدو على حقيقتها إلا حين ينقَطِعُ عنها تيّارُ الودائع المارِّ في أسلاكِ التّحويلاتِ ظاهِرِها وباطنها،
وأتباعُ هذا الدّينِ مأخوذونَ بتعاليمهِ، مُنساقونَ إليه كما ينساقُ الواقعُ فريسةً لأمِّ عامر واجَهَتهُ ذاتَ ثلجٍ في وادٍ بين قريتين، ولا يملكُ المصلحون النّاجونَ من الانضباع إلا الصُّراخَ على ( المضبوعين ) علّهم يسمعون توسّلاتهم قبل دخولهم مع أمِّ عامرَ إلى وِجارِها لكنّهم لا يسمعون، وإذا سمعوا لا يعقلون، وإذا عقلوا لا يفقهون، وإذا فقهوا فهم من المصلحين يضحكون،
وفي هذا الهيجان يأتي ضميري ليُحدّثني عن الأمّة وعن دوري كصاحبِ قلمٍ في استنهاض الهِمَمِ، وعن رسالة اليراعِ في التنوير حين يغشى العتمُ طريق القوافلِ، ويأكلُ الجهلُ أقدامَ الرّواحلِ وهي تمضي في التّيه، فأنظُرُ في المدى علّي أرى، فتعجزُ الرّؤى ويرتدُّ إليَّ الحرفُ يقطُرُ أسفا وهو يخلعُ عن كاهلهِ الصّدى ، فأيّة همّةٍ أستنهِضُ في قومٍ يتناحرونَ على أيُّهم يسبقُ الآخر في دخولِ وِجارِ الضّبع، وأيّ تنويرٍ أطلقهُ في عالمٍ يَقلَعُ عيونهُ بيديه، ويغلقُ بها آذانهُ، ويرقُصُ فوقَ خرائطهِ الهُلاميّة.
يعودُ لي بعد اليأسِ فرخُ الأمل هامسا في أذنِ الحِبرِ: كيفَ لمَن أوتِيَ الحِكمةَ أن يُدمنَ كأسَ القنوط؟ فاستعيذُ بالنّشاطِ مِنَ الكَسَل، وأبدأ العمَل، وبعدَ سُويعات مَضنيات، ما بينَ خُذ وهات، تُحاصِرُني المُلهِيات، وتغريني المُغريات، فأتحوَّلُ إلى فقاعات، ملؤها الأمنيات، وصوتُ فرقعاتِها يقولُ : طُزٌّ فيما راحَ وفيما هو آتْ.
يتبلَّدُ الكلامُ كما تتجعَّدُ المشاعرُ. أمُرُّ على فلسطينَ مع ( زريف الطّول ) الذي استقرَّ في بلادِ الغُربةِ ولا يذكُرُ فلسطينَ إلا حين يضمنُ أنَّ ذِكرَها سيجعلُ جيبهُ مليئةً بعصب الحياة، فأترُكُهُ وندى الدّمعةِ على رموشِ أحلامي. أمُرَّ العراقَ مع صيحاتِ السيّابِ التي بنَتْ عليها جراثيمُ الأُمَمِ ممالكَ مِن قذارة ركَّعت نخلَ العراق بين يدي ضفادعَه، أغادرُ المسقوفَ بين الجمرِ مُنتَحِبا .
أرنو إلى الشّام – سلامٌ عليكِ يا شامُ – ألطم وأشقُّ جيب الآهِ من وجعِ المآلِ ، أصرُخُ : ( طال المطال يا حلوة تعالي )، وأغادِرُ ياسمينها الأحمر وما في روحي موضعٌ إلا وفيه صليةُ غدرٍ أو عضةُ برميلٍ، أو كفُّ قذيفة.
أترُكُ الدّخانَ مُتصاعِدا من سُفُنِ ذوي الجَنبِ وأقعُد في ظِلِّ توتَةٍ تزاحمت العوراتُ على أوراقها ، أتأمَّلُ جذرها وساقها وفروعها المُغطّاة بالدّود، أمُدُّ يدي المتوضئة بالحُبِّ فيقطعُها فأسُ بَالتْ عليها الثّعالِبُ في غفلَةِ مِن حارس الشّمس، أترك التّوتة ودمي، وأحاول تضميد يدي فلا أجدُ شاشا مُعقّما بالفضيلة ولا قُطنا حلالاً، وتبقى يدي تنزفُ حتّى يمُدَّ لي مَن أثق بتلوّثه وثائق ويكيلكس وبَنما فينقطع دمي وأطفئ مصابيحي وأنا أدخُلُ حارة القتام.
إبراهيم محمد العمري

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى