
حُمّى الشوارب
قلبه منقبضٌ منذ فتح عينيه من النوم. جهّز المسؤول الوطني نفسه للخروج، وأبقى على شاربه دون حلاقةٍ للشهر الثاني على التوالي. ورغم قناعته بطرافة هيئته مع هذا الشارب الخفيف الذي لا ينمو كاللازم مهما أرخى له السبيل للنمو، إلا أنه أبقى عليه كرمى لعيون عروسته الجديدة، التي تصرّ على كونه أكثر وسامة مع شارب منه بدونه.
ما ضاعف الوَجَل في قلبه هذا الصباح هو توجهه بعد قليل إلى فعالية تضامن مع الفلاحين الذين صادر الاحتلال أراضيهم، وانتهوا منذ ساعاتٍ كباراً صغاراً من جولةٍ عراكٍ بالأيدي والأرجل مع جنود الأعداء. وما يشبه ناقوس الخطر، يدقّ في لاوعيه ويرتطم صداه في وعيه كلما تذكر أنه سيقف أمام الجماهير بهذا الشارب الذي يثير خجله.
منذ وصل القرية المصادرة أراضيها إلى حين أتى موعد إلقائه كلمته في الساحة الواسعة، سارت الأمور على نحوٍ طيّب. إذ لم يشعر أنّ أحداً ما لفت نظره الشارب. ولإراحة قلبه، كان يجسّ نبض مرافقه كلّ حينٍ بخصوص حال شاربه فيُطمئنهُ الأخير أنّه بأبدع حال. لكنه بمجرد اعتلائه المنصّة لإلقاء الكلمة أصابه دوارٌ مفاجىء، وشعر بغثيانٍ في معدته، فقد أحسّ أنّ الأنظار جميعها مسلّطة على شاربه الخفيف.
تمالك نفسه قدر المستطاع واستهلّ كلمته يشرح للفلاحين كيف أنّ أراضيهم المصادرة مطروحة الآن على جدول أعمال الحكومة. وبينما كان يوزّع بصره بينهم وبين الورقة المرتجفة في يده، لم يستطع إلا أن يُلاحظ الابتسامات الهازئة للرجال الجالسين أمامه، والذين لم تفته ملاحظة أنهم يتمتعون بشوارب كثّة من أول شخص فيهم وحتى الأخير. والعجيب أنه كلما كان يعود ببصره من الورقة باتجاه الجالسين من جديد، كان يجد شواربهم ازدادت كثافةً وطولا..
لم تكن هذه الشوارب التي تزدادُ طولاً وكثافةً كلما نظر باتجاهها سوى العجيبةَ الأولى من سلسلة العجائب التي انفرطت بشكلٍ غريب أمام المسؤول منذ اعتلائه المنصة، ما جعله على حافة فقد صوابه. فعندما قرر إشاحة بصره عن الرجال بالشوارب المجدولة إلى الفلاحات اللواتي يراقبن من على سطوح منازلهن هذه الجمهرة في الساحة، وجدهن يفتلن أمامه شوارب طويلة لهنّ كأنما يتعمّدن قهره. خلال ثوانٍ -وبشكلٍ أصبح يفوق قدرته على استيعاب ما يحدث- وقع بصره على أطفال القرية فوجدهم يدلعون له ألسنتهم من تحت شوارب أفخم من شوارب ذويهم. وقع بصره على القطط، على الفئران التي تلعب عند قدميه أسفل المنبر الخشبيّ، فوجدها جميعاً تسرّح شواربها الطويلة وتتباهى بها أمامه. يا إله الكائنات! حتى القبور في المقبرة المجاورة صدّعت أبنيتها عن اليمين والشمال الشواربُ الثخينة الممتدة للموتى من داخلها باتجاه الخارج.
منعته القشعريرة التي تسرّبت إلى بدنه من مواصلة كلمته. انقطع نَفَسَه ونزل مرتعداً عن المنصة، وفي باله التوجه إلى أقرب مركزٍ لزرع الشعر. وإذ كان مستغرباً من أنّ أحداً لم يهبّ لنجدته وهو في هذا الحال المضطرب، نظر إلى مرافقه فوجده يحدّق فيه بفزعٍ ووجهٍ ممتقع. ولمّا سأله إن كان ملاحظاً مثله لشوارب الحضور العظيمة، ابتلع المرافق ريقه وأخبره أنّ الحضور جميعاً كانوا تفرّقوا من الساحة منذ اللحظة الأولى لاعتلائه المنصّة.
