
#موقف_عمومي
د. #هاشم_غرايبه
من المعايير التي تحرص أنظمتنا العربية على الإيفاء بها كمتطلبات يشترطها البنك الدولي لإقراضها، هو معيار الجندرية، والذي يعني نظريا إزالة الفوارق بين الرجل والمرأة.
مرأى العنوان جميلٌ في ظاهره، وقد يبدو لأول وهلة أنه جاء لإنصاف المرأة التي عانت تاريخيا من التسلط الذكوري، لكنه في حقيقة النوايا يهدف الى الغزو الثقافي للمجتمعات المنضبطة بالعقيدة الدينية، بهدف كسر الحواجز المانعة من الحاقها بالنظام المجتمعي الذي طورته الرأسمالية الغربية بما يتوافق مع توسع آفاق استثماراتها لجني المزيد من الأرباح.
جوهر الدين هو الضامن الحقيقي للتوازنات الطبيعية بين الرجل والمرأة من جهة، لأنه ينبني على التعاون والشراكة البناءة بينهما من خلال مؤسسة الأسرة، التي تربط فيما بينها وشائج أقوى كثيرا من القوانين والدساتير الوضعية.
في مجتمعنا العربي المعاصر، ليس لنا من حاجة الى جندريتهم المزعومة، فمع تطور التعليم لدينا، أصبح فهمنا للدين أعمق، وبعدنا عن التخلف الثقافي الذي أورثتنا إياه التقاليد البالية أكبر، فبات هنالك تفهم أفضل لدور المرأة، وأنها نصف المجتمع حقيقة، وهذا المفهوم ليس من ابتداع التنويريين ولا هو ثمرة لنضالاتهم، فهي لم تكن غير ذلك في جوهر عقيدتنا أصلاً!.
للمرأة في ثقافتنا أربع صور لا غير: الابنة والأخت والزوجة والأم ، فيها جميعا محبة واحترام.
في الأولى لا حاجة لإقناع الرجل أن يحب إبنته، فليس من ابنة لا تأسر قلب أبيها بمحبة خالصة من أي غرض، وبإعجابها به بغض النظر عن وسامته أو دمامته، فكل فتاة بأبيها معجبة.
والثانية مرتبطة بالقيم الأصيلة والعقيدة التي تحض على صلة الرحم، فرغم تغلغل القيم المادية المستوردة من الغرب، فما زالت البنت ترى في أخيها السند والعضد، ولا تقبل التخلي عن ذلك لأنه مدعاة استقرارها النفسي والإجتماعي.
أما الزوجة فهي شريك حقيقي لزوجها، ودوافع التفهم والإحترام قوية أنشأتها المودة والرحمة، والعقيدة تحرم الخيانة الزوجية، ولذلك فالتعاون بإخلاص لتنمية رأسمالهما المشترك (الأبناء) نتيجة حتمية للإستقرار الأسري.
وتبقى الصورة الرابعة وهي الأم، ولا أظن أن أحدا يحتاج الى من يعلمه احترام أمه وإحسان معاملتها، لأن العلاقة هي محبة غامرة من قبل الأم لإبنها بلا حدود، فلا مجال للتعامل معها بغير التقدير والتوقير.
هكذا نرى أنه لا مجال للتمييز ضد المرأة في صورها الإجتماعية التقليدية، إذاً لا شك أن المقصود هو إضفاء الإحترام للصور غير المشروعة في عرفنا، كالصديقة أو العشيقة أو المتفلتة عن فطرة الحياء الأنثوي، فتهين إنسانيتها عندما تستثمر أنوثتها بالإغراء الجنسي أو الترويج التجاري، وبالتالي تقبل المجتمع لتلك الممارسات، واعتبارها حرية شخصية يجب احترامها.
هنا نحس بخبث المقصد من وراء ترويج مثل هذه المصطلحات، لأن المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات واجبة مبدئيا ولا أحد يجادل فيها، لكن المساواة التماثلية أمر مخالف للطبيعة البشرية، فليس الذكر كالأنثى، فلكل منهما طبيعة فيزيولوجية مختلفة، تفرضها خصوصية الدور والمهام لكل منهما، وتبديل الأدوار يخل بالتوازن ويدمر الروابط.
السؤال المفحم لهؤلاء: لماذا خلق الله الإنسان بصورتي الذكر والأنثى، ولم يخلقه بصورة واحدة؟ لا شك أن الإجابة ستكون: من أجل التكاثر لحفظ الجنس البشري، والوسيلة التزاوج للتعاون على تربية الأطفال.
إذاً فالزواج هو الفطرة، والانحراف عنه هو الضلال.
ترتكز مفاهيم الجندرية على نظرتهم الى أن العلاقة الجنسية شهوانية أساسا، وأما الانجاب فمسألة فرعية، وأن المجتمع هو مجموعة من الأفراد تتحدد علاقاتهم وفق احتياجاتهم وتلبية رغباتهم، وبناء على ذلك فليست الأسرة هي الوحدة البنائية بل الأفراد، وليس التكاثر مشروطا بتكوين هذه الأسر، فبالإمكان زواج مثليين وتبني طفل غير منجب منهما، والعلاقات الجنسية حرية شخصية ولا تقتصر على العلاقة الزوجية، وحتى لو تزوج رجل بامرأة فلا تلزم المرأة بالأمومة والرضاعة، كما أن الحضانة ليست مسؤوليتها ولا تربية أبنائها.
هذه بعض المفاهيم التي تسعى (الجندرية) الى تعميمها، وهي ليست تطورا أوتقدما، بل رجعية الى البدائية وتخلفا، فقد حدث مثلها في القرون الغابرة التي أهلكها الله بسبب ذلك.
ندعو الله أن ينجينا من شر ما يدعوننا إليه.
