
” مكياجهم تراب “….
على حصيره مليئة ببقايا بزر عباد شمس يلتفون حول صوبة فوجيكا تعلوها طاسة مليئة بالماء, قشر برتقال محشو تحت فراش الاسفنج, ” بوط عبود الصيني ” على زاوية الغرفة, امامهم على طاولة خشبية تلفزيون بجانبه باكيت شمعات تحسبا لانقطاع الكهرباء, ابريق شاي خالي من الشاي, سماء تضيء وترعد بين الحين والاخر, حبات برد تلاعب غطاء بلاستيكي في البيت, شريطة ملفوفة وموضوعة على باب مهترئ لمنع تسرب المياه للداخل, دلو وضعته ام العبد تحت المزراب لتحظى بماء مطر صاف, ضحك تارة وصراخ تارات.
تبدو علامات السعادة والفرح على وجه ابو العبد المليء بتجاعيد الكبر, يتطلع الى امرأة ذاقت معه مرارة الحياة ورافقته بين سنابل القمح وغبار الزيتون, دون ان يكلمها عرفت ما يريد واجابت عن سؤال لم ينطق به ” الحمد لله الخير كثير السنه ” ابتسم اكثر وشكر الله واثنى عليه, داعبها بكلمات الكبار الطاهرة, هربت منها الكلمات, تناولت حبة برتقال وقشرتها بأناملها الضعيفة واعطتها كاملة لرجل هو كل حياتها, اخذها ثم اعاد نصفها لامرأة هي كل حياته وسألها ليطمئن ” ان شاء الله خف وجع رجليك يا حجه؟”.
هكذا هي حياتهم حب نقي طاهر صاف كقلوبهم الطاهرة النقية, يفهمون بعضهم دون كلام, ملكان وهبا حياتهما لبعض, بيتهم مملكتهم, اولادهم سعادتهم, تعبهم يزول مع اول قطرة ماء, لا يقارنون انفسهم الا بانفسهم.
لم يقدم ابو العبد لزوجته بيت ” حجر نظيف ” ولا حمام ماستر _ اجلكم الله _ ولا سيارة ” كيا ” ولا ذهب ولا لبس اخر ” موضة ” ولا سجاد لغرفة الضيوف الخالية من الضيوف ولا رحلات ترفيهية ” هش ونش ” ولا تدفئة مركزية بدل صوبة الفوجيكا ولا… ليسعدا مع بعضهم, بل هي قلوب طاهره نقيه احبت بعضها وعيون اقتنعت بما لها.
مكياجهم تراب ملأ وجنتيهم فزادهم جمالا فوق جمالهم, نهارهم حب وليلهم حب, تعبهم حب وراحتهم حب, صيفهم حب وشتاؤهم حب, اينما نظروا سعدوا حتى لو كان على قشر البرتقال تحت فرشات الاسفنج او بقايا البزر المنثور ” كالورود ” امامهم.

