مفكرين .. ومحللين …على السريع!! / د. محمد يوسف المومني

مفكرين .. ومحللين …على السريع!!
عندما يتابع القارئ والمشاهد غير المتخصص ما يقوله بعض “المحللين السياسيين “يلاحظ أن أفكارهم – التي من المفروض أن تتميز بالعمق والموضوعية – تدور في حلقة مفرغة دون أن تتقدم إلى الأمام، مما يجعلها مفتقدة للقيمة المضافة التي تشكل أفق انتظار المُتلقي، بل إن ما يقدمه بعضهم باسم النقد والتحليل يندرج ضمن السجال السياسي الذي يدور هذه الأيام على الساحة الوطنية, العدد المتزايد للمحللين السياسيين باطراد على شاشات الفضائيات الاردنية ظاهرة تستحق الوقوف عندها، ولاسيما أن هؤلاء باتوا يُسيئون اليوم الى الرأي العام الاردني عبر ما يقدمونه من معلومات تفتقر الى المهنية حول موقف سياسي أو اقتصادي او اجتماعي من هذه الدولة أو تلك، أو حتى عبر ما يقومون به أحياناً من تسريب معلومات استخباراتية عن لقاءات وطبخات سياسية في الكواليس, أو مناورات وضربات عسكرية محتملة شرقاً وغرباً في منطقة عربية مابرحت تهتز على صفيحٍ ساخن.
أفرزت محطات التلفزة الاردنية ما يشبه نُخباً جديدة قوامها جيش من المحللين في مختلف الاختصاصات والاتجاهات، فهم يتكاثرون بسرعة هائلة على الشاشات، يوزعون آراءهم العاجلة ويثوّرون مواقف ضد مواقف أخرى، يصرخون ويتقاذفون الشتائم ويتبادلون تُهم الخيانة والعمالة والارتهان للأجنبي أو العمل كأبواق لدى السلطة؛ ووصلت بهم الحكاية إلى حد الاشتباك بالأيدي على الهواء مباشرة ورفع الاسلحة، هكذا نجح الإعلام الاردني في تصنيع نُخب جديدة ميدانها الرئيس حلبات بصرية لديوك تتصارع على مدار الساعة، ليكون المُشاهد في هذه الأثناء رهن رأي هذا المحلل أو ميول ذاك، دون البحث عن أهلية حقيقية لعشرات البرامج التي توّظف آراء هؤلاء المحللين في مصلحة دعم فرضية الأجندة الخاصة بهذه الفضائية أو تلك، ولنصل في النهاية إلى ما يشبه كبش تلفزيوني, أو حرب تلفزيونات لا صلة لها بموضوعية التفكير أو التحليل المنطقي للأحداث، بقدر ما يهمها في النهاية تغليب رأي على آخر مهما كلّف ذلك من افتراءات وتزوير في الحقائق ولوي عنق المعلومة.
المشكلة اليوم أن الكثير من هؤلاء المحللين الذين يتقاضون أجوراً عالية لقاء ظهورهم في البرامج الحوارية الساخنة، باتوا يشكلون اليد الطولى لتكريس سياسة الدولة التي يتكلمون من على منبرها؛ منتمين بقوة إلى البروباغاندا الخاصة بها، ولاسيما عندما تلجأ قنوات ناشئة باستضافة العديد من «مفكري التلفزيون» من مشرب سياسي متقارب لمناقشة قضية حساسة، متجاهلةً رأي محللين من مشرب سياسي مختلف، والغريب أن مثل هذه الفضائيات ما زالت ترفع شعار «الرأي والرأي الآخر» أو شعار «أن تعرف أكثر» فيما بات المشاهد يتوقع ضيوف هذا البرنامج أو ذاك، والأغرب أنه حفظ عن ظهر قلب كل ما سيقولونه نتيجة التكرار الهائل للرسالة الإعلامية الخاصة بالمحطة، واستنفاد فرص الإشباع الإعلامي الذي وصل مؤخراً حد التخمة، وخاصةً أن هذا النوع من «النخب» لا يمكن الركون لآرائهم، فمن المعروف أن هذه المحطات تبحث دائماً عمن يسميهم عالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيير بورديو بـ«مفكرين على السريع» متسائلاً: «ما الذي يدفع هؤلاء للتفكير تحت ضغط الزمن التلفزيوني والمساحة الضيقة المُعطاة لهم بين غابة من البرامج وفقرات الأخبار والإعلان ومداخلات المشاهدين؛ سوى تلك الرغبة العارمة لحب الظهور؟ فانخداع «المفكر التلفزيوني» بسطوة الفضائيات وسعة انتشارها تجعله ( زبوناً طيباً ) ومُرحباً به على شاشاتها، شريطة أن يدعم السياسة التحريرية للمحطة بكل أنواع الدجل والشعوذة الإعلامية وتبرير ما لا يمكن تبريره.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد: هل كل من حمل رتبة عسكرية في الجيش، أو شغل وظيفة مدنية في الدولة، هو مفكر أو باحث أو محلل استراتيجي؟ المتتبع للأحداث السياسية يمكنه أن يصنف من يُطلق على نفسه تسمية محلل سياسي وخبير استراتيجي ضمن أصناف ثلاثة:
الأول: المحلل السياسي الذي يعبر عن رأي النظام, او أنظمة سياسية يقتات من فتاتها, أو يمثل أيديولوجية معينة دون أن يكون في موقع ما (بعد) ضمن دائرة النظام.
الثاني: المحلل السياسي بحكم الموقع في مركز أو جهة قد تكون حكومية أو غير حكومية الطابع، وهؤلاء غالبيتهم في أوربا وأمريكا وقلة قليلة منهم في الاردن.
الثالث: ينتمي لإطار علمي ـ ثقافي ما, امتهن مهنة التحليل السياسي مستمداً منهجيته من الأطر التي ينتمي إليها، وقد تكون نتاجاً جانبياً لعمله الأصلي، أي يمكن اعتبارها هواية وقت الفراغ.
ويمكن إضافة صنف رابع يجمع بين كل هؤلاء بدرجات مختلفة, يضع قدماً داخل النظام والقدم الأخرى خارجه ويعمل في مركز مستقل ظاهرياً، ومقولب بشدة داخلياً, وينتمي في الوقت نفسه لإطار ثقافي معين فهو خليط من كل هؤلاء وربما يكون الأخطر من بين هذه الفئات الأربعة.
أيها “المحللون” الاستراتيجيون, إن مصير البلاد ليس وسيلة لتوريط هذا أو ذاك أو تشويه سمعته، بل هو غاية يجب أن تتضافر جهود الجميع لبلوغها سواء بالمشاركة الفاعلة أو المعارضة الناصحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى