
قريتي المنسية : الف حكاية وحكاية
على كتفي الوادي تربعت قريتي المنسية ، وأرخت جديلتين كسنابل أرضها ، وبين الجديلتين وجه صبوح ، مشرقا بساما ،تلتقي العابرين فتسبي قلوبهم بسحرها، وتجلو همومهم ببهائها ….
الناس في قريتي طيبون ومتعبون ، فقراء لكن عاشقون ، عطاؤهم بلا حدود ،وخيرهم مممدود ، شاكرون لربهم حامدون !!
نساؤها كسنديانها ، كشجر البلوط المعمر في حرشها ، متأصل ونشره طيب ، وجذوره ضاربة في العمق !!
تعبد المرأة- بعد ربها – زوجها ، وتقدس أهله ، تتسلم الحماة مفاتيح الخزائن ، ولا تكف عن الأمر والنهي ، والنصح والإرشاد ….
جميع الكنائن تحت أمرتها ، ومفتاح المونة في ” عبها ” في عقدة شريطية يصعب حلها ،
الجميع مشتركون في الدار والطعام ، والعمة توزع الأدوار ، والأحظى منهن من تبقى لرعاية الرضع ؛ فيصير الاطفال أبناؤها بالرضاعة ، ويفاجئ البنات بعدئذ .ان جل شباب الحي أخوانها…فتتضاءل أحلامها ،
تمضي الباقيات إلى الحقول ، مواسم الحصاد ، ويمكث البعض للعجين وتحضير الطعام للكادحين العائدين آخر النهار .
ورغم الشقاء ، ثمة أمسيات ، وسهرات للسمر ، في مضافة المختار يجتمع الكبار والصغار ، الكبار يتناولون القضايا الكبيرة ، أكبر قضية : ” ابن ابو التبن باع أرض ابوه وهج عالمدينة ” أخطر القضايا : من يبيع أرضه كمن يبيع عرضه !!
الصفار ينصتون بأدب ؛فالمجالس مدارس
خلف البيوت الطينية تجتمع النساء ، يتحسسن أخبار القرية ، فكاهتهن عبود ” الأهبل” وتحرشاته البريئة ، ومنطقه المضحك ، أخطر قصصهن ، عاشقات القرية ، و النميمة حول ” وضحا ” بنت المختار ….
ليس من النساء من تحظى بما تحظى به وضحا ، فهي حسناء القرية ، وابنة المختار الوحيدة ، الفتيات يحسدنها ، والشبان يطمحون إليها، وهي تعبث في قلوب الفرسان منهم ، وترسم صورة فارسها ، معقدة صورتها ، ولكن ليست مستحيلة ….
ذات صباح، حضر زائر طارئ إلى مضافة المختار ، أثار قلق الشبان، وصار محط أنظار صبايا القرية .
أظنه كان فارسا بدويا ، وابن شيخهم ،متوسم بسمرة لها نكهة فريدة ، ربما كنكهة الهيل المعتق ، يحمل بعضا من أرث اجداده ،وفيضا من المروءة والحياء .
يجتمع كبار القرية حوله ،ينطق بالحكمة رغم حداثة سنه ، يقرض الشعر ، ويقول القصيد ،ويروي من أحاديث القبيلة ، شيئا من مجالس القضاء …
يقع حديثه في قلب ” وضحا ” وقوع السهام ، وتحفظه ، تنقل ما سمعت لصاحباتها، تتباهى أنها حظيت بلقاءالفارس والسماع ، يشوب حديثها بعض المبالغة والكذب اللذيذ ، ثم بعد حين تتعلق بخصاله الحميدة …
بعد أيام يأزف الرحيل ، تفاجئ بحرقة الفراق ، فقد رسمت أحلامها من ملامحه ، ونسجت أحاديث الهوى من نبراته ، يصعب الموقف ..
ويصعب عليها الاختيار فيما بعد …
فقد اضمحل شبان القرية أمام أحلامها ،
وتنتهي الحكاية بالفراااااغ….
وتستمر القرية بطرح خيرها ، قمحها ،عشقها ، وعنادها الا محدود من أجل الحياة .وتستمر الحكايا ….
