رواية كلما لاح برق بين العجائبية والواقعية السحرية: تمثيلات الحلم والواقع المأزوم

رواية كلما لاح برق بين العجائبية والواقعية السحرية: تمثيلات الحلم والواقع المأزوم
للروائي : محمود البشتاوي

كتبت .. د. مي بكليزي

لم تعد اللغة العادية للسرد قادرةً على وصف الواقع المأزوم المثقل بالمرارة والقهر؛ لذلك تتناول هذه الرواية المرحلة الراهنة التي يكاد يجمع كثيرون على أنها من أكثر المراحل ظلمةً في التاريخ العربي والإسلامي: حرب غزة الطاحنة واللاإنسانية، والصمت العربي المخزي تجاه ما يحدث فيها، إلى جانب الحرب السورية وبدايات سقوط النظام، لا بل سقوطه فعلًا، وحروب اليمن والسودان، فضلًا عن الأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعيشها المواطن العربي، مكبلًا بانعدام الإرادة، إلا من إرادة اللهاث خلف لقمة العيش وتأمين قوت أطفاله بصعوبة بالغة.

وفي ظل هذه الظروف الخانقة، وفي واقع أُغلقت فيه منافذ العقل والقلب معًا، يختار البشتاوي الخيال بوصفه منفذًا للهروب من وطأة هذا الواقع وضغوطه.

فمن رحلة جمعت سامي وليلى برفقة أصدقائهما إلى البتراء، إلى رحلة حالمة خاضتها ليلى مع عالم الأنباط، ممثلًا بشخصيات عاتكة ومالك وشداد وذي اللطف وزهير وغيرهم، تتشكل عوالم الرواية بوصفها معادلًا موضوعيًا ـ وفق المفهوم النقدي ـ لمحاولة استعادة شيء من التوازن النفسي الذي يحول دون انهيار العقل تحت ضغط الأحداث المتسارعة والمعاشة.

لم تكن ليلى تعلم أن الخاتم الذي ابتاعته بثمن زهيد، سيحملها عبر بوابة الحلم إلى عوالم بديلة استطاعت أن تفصلها مؤقتًا عن واقعها المنهك؛ واقع الحروب المشتعلة في المنطقة، وحملها الأول وما رافقه من معاناة جسدية ونفسية، وصولًا إلى لغز سامية وهدى وسمر.

إن المراوحة بين عالمي الواقع والخيال داخل السرد تنقلنا إلى فضاء الواقعية السحرية التي دشّن ملامحها غابرييل غارثيا ماركيز في روايته مئة عام من العزلة، حين امتزج الواقع بالحلم، والحقيقة بالوهم، دون تمهيد مباشر لهذا الانتقال، بحيث يغدو هذا التداخل واقعًا طبيعيًا يتقبله القارئ دون شعور بالافتعال أو الانفصال بين العالمين.

غير أن السؤال الذي تطرحه الرواية هنا يتمثل في: هل استطاع البشتاوي تحقيق الشروط الفنية التي تسمح بتصنيف روايته ضمن أدب الواقعية السحرية؟ وهل تمكن القارئ من الولوج إلى العالم الحلمي لدى ليلى بصورة تلقائية، ودون تمهيد مباشر من السارد؟

يمكن الإجابة عن ذلك بالقول إن الانتقال من عالم الواقع إلى عالم الحلم لدى ليلى لم يكن انتقالًا تلقائيًا أو عفويًا، بل إن الكاتب مهّد لهذا الانتقال بإفراط واضح في الشرح والتفسير، وأثقل السرد بمحاولات تبيان تلك اللحظة البرزخية الفاصلة بين الواقع والحلم. فالحلم لا يداهم ليلى إلا ليلًا، حين يغرق سامي في نومه العميق، بينما تعيش هي حالة من القلق والخوف من افتضاح ما تمر به من أحداث غامضة، تستيقظ بعدها منهكة ومتعرقة، وكأنها عادت من رحلة شاقة بين عالمين متناقضين: عالم الواقع المعاش، وعالم الحلم المنفلت من منطقه الطبيعي.

ومن هنا، فإن الرواية تقترب من الواقعية السحرية في بنيتها التخيلية، لكنها لا تحقق شرطها الجوهري كاملًا؛ إذ إن السارد يصرّ على تفسير العجائبي وتبريره، بدل تقديمه بوصفه جزءًا طبيعيًا من العالم الروائي، وهو ما يُفقد النص شيئًا من عفوية الواقعية السحرية ودهشتها الفنية. كذلك يمكننا القول إن رواية كلما لاح برق تقف على تخوم أدب الواقعية السحرية، غير أنها تبدو أقرب إلى العجائبية منها إلى الواقعية السحرية؛ إذ إن العالم الغرائبي فيها لا يُقدَّم بوصفه جزءًا طبيعيًا ومألوفًا من الواقع السردي، بل يحضر محاطًا بالتفسير والتمهيد والتأويل، الأمر الذي يجعل القارئ واعيًا دومًا بحدود الانتقال بين الواقعي والمتخيل.

عنوان رواية كلما لاح برق عنوانٌ يقوم على التكثيف والإيحاء، ويؤدي وظيفة دلالية تتجاوز التسمية المباشرة إلى خلق حالة من الترقب والقلق داخل وعي القارئ. فالجملة جاءت فعلية مرتبطة بالاستمرار والتكرار من خلال أداة الشرط «كلما»، وهو ما يوحي بأن حدثًا ما يتكرر كلما ظهر البرق أو لاح في الأفق. وبهذا لا يصبح البرق عنصرًا طبيعيًا فحسب، بل علامةً سردية مرتبطة بالتحول والكشف والانفجار النفسي داخل الرواية.

ويحمل العنوان طاقة إيحائية عالية؛ لأن البرق بطبيعته ومضة خاطفة، تجمع بين النور والخطر، بين الكشف والرهبة، وهو ما ينسجم مع طبيعة أحداث الرواية القائمة على الانتقال المفاجئ بين الواقع والحلم، وبين العالم المعاش والعالم المتخيل. فكل ومضة برق تكاد تؤسس لانتقال جديد في وعي ليلى، أو لانفتاح باب آخر من أبواب الحلم والهواجس والاضطراب النفسي.

كما أن الكاتب لم يختر كلمة «ظهر» أو «أضاء»، بل اختار فعل «لاح»، وهو فعل يحمل معنى البروز الخاطف وغير المكتمل، وكأن الحقيقة في الرواية لا تظهر كاملة، بل تومض ثم تختفي، تاركةً القارئ في حالة بحث وتأويل دائمين. وهذا يتلاءم مع البنية الغامضة للرواية ومع طبيعة الأحداث التي لا تُكشف دفعةً واحدةً.

ومن الناحية النفسية، يعكس العنوان حالة التوتر والترقب التي تعيشها البطلة؛ فـ«البرق» يرتبط في الوعي الجمعي بالخوف والعاصفة والقلق، وكأن حياتها نفسها أصبحت سلسلةً من الومضات المربكة التي تسبق حدثًا مجهولًا. لذلك جاء العنوان معبرًا عن الجو النفسي العام للرواية أكثر من تعبيره عن حدث محدد.

أما فنيًا، فقد نجح العنوان في جذب القارئ وإثارة فضوله، لأنه عنوان ناقص دلاليًا لا يمنح معنى مغلقًا، بل يفتح باب التساؤل: ماذا يحدث كلما لاح برق؟ وهذا التعليق الدلالي يجعل القارئ يدخل الرواية مدفوعًا بالرغبة في اكتشاف الجواب.

ومع ذلك، يؤخذ على العنوان أنه شديد الشعرية والرمزية، إلى درجة قد لا تكشف للقارئ منذ البداية طبيعة الرواية التاريخية والعجائبية، أو ارتباطها بالحروب والواقع العربي المأزوم، مما يجعل علاقته بالأحداث علاقة رمزية داخلية أكثر منها علاقة مباشرة واضحة.

وعليه، فإن العنوان يُعدّ من العناوين الناجحة فنيًا؛ لأنه استطاع أن يختزل الجو النفسي للرواية، وأن يعكس طبيعتها القائمة على القلق والتوتر والانتظار والانكشاف المفاجئ، مع حفاظه على غموض شعري ينسجم مع عالم الرواية الحالم والعجائبي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى