هل يتدخل رئيس الوزراء لحماية الذاكرة الوطنية لمهرجان جرش؟

#سواليف

هل يتدخل رئيس الوزراء لحماية الذاكرة الوطنية لمهرجان جرش؟.
رسمي محاسنة / الاردن.
بعد ان كتبت اليوم مقالا عن الهوية الوطنية لمهرجان جرش،فوجئت بالاعلان عن توقيع مذكرة تفاهم بين مهرجان جرش وجمعية اصدقاء الأردن وأنا الأردن،بدون مقدمات، بين مهرجان مختلف في الاهدف والرؤى والجمهور المستهدف.
فلم يكن مهرجان جرش، في أي مرحلة من تاريخه، مجرد موسم حفلات أو فعالية ترفيهية قابلة للتفويض والتسليم إلى جهة خاصة تحت عناوين إنشائية فضفاضة من نوع “تطوير تجربة الزوار” و”رفع مستوى الخدمات”. فمنذ تأسيسه في مطلع الثمانينيات، شكّل جرش مشروعًا ثقافيًا وطنيًا للدولة الأردنية، وواحدًا من أهم أدواتها الناعمة في تقديم صورة الأردن عربيًا وعالميًا؛ صورة الدولة المستقرة والآمنة، والقادرة على إدارة حدث ثقافي كبير بهيبة واحترام واستمرارية نادرة في المنطقة.
ولهذا فإن ما جرى مؤخرًا، عبر توقيع مذكرة تفاهم مع جهة خاصة لإدارة وتنظيم جزء من فعاليات المهرجان، لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل باعتباره تحولًا خطيرًا يمس فلسفة المهرجان نفسها، ويفتح الباب أمام نقل جرش تدريجيًا من مشروع ثقافي وطني تُديره الدولة بعقلية المؤسسة العامة، إلى مشروع يخضع لمنطق السوق والخدمات والاستثمار.
فأي خبرات إضافية يجري الحديث عنها؟ وهل أصبحت المؤسسة التي راكمت خبرة تمتد لأكثر من أربعة عقود عاجزة فجأة عن إدارة نفسها؟ وهل يُعقل أن مهرجانًا استطاع، طوال تاريخه، إدارة مئات الفعاليات واستقبال كبار الفنانين والمثقفين العرب والأجانب، يحتاج اليوم إلى جهة خاصة كي تعلّمه أسس التنظيم أو “تحسين تجربة الجمهور”؟
إن أخطر ما في الخطاب الرسمي المرافق لهذه المذكرة، أنه لا يكتفي بتبرير الشراكة، بل يطعن، ضمنيًا، بتاريخ المهرجان نفسه. فعندما يُقال إن الهدف هو “رفع مستوى الرضا العام” و”تقديم خدمات أكثر كفاءة” و”توفير تجربة متكاملة وآمنة ومريحة”، فإن ذلك يعني، بصورة غير مباشرة، أن جرش طوال تاريخه كان يعاني خللًا تنظيميًا أو ضعفًا في الأمن أو عجزًا في الإدارة. وهذا ليس تطويرًا، بل تقليل من قيمة تجربة وطنية حافظت، رغم كل الظروف، على صورتها وهيبتها لعقود طويلة.
والأخطر من ذلك، أن الحديث المتكرر عن “تجربة آمنة ومريحة” يطرح سؤالًا بالغ الحساسية: هل كان مهرجان جرش، طوال أربعين عامًا، مهرجانًا غير آمن؟ وهل تحتاج الدولة الأردنية، بكل مؤسساتها الأمنية والإدارية، إلى جهة خاصة كي تمنح الناس شعورًا بالأمان داخل مهرجان وطني؟ إن جرش لم يكن يومًا مشروعًا مرتبكًا أمنيًا أو تنظيميًا، بل كان نموذجًا للاستقرار والانضباط، بفضل الدور التاريخي الذي قامت به مؤسسات الدولة الأردنية، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، التي حافظت، عبر عقود، على صورة المهرجان بوصفه فضاءً ثقافيًا آمنًا ومنظمًا ومحترمًا. ولذلك فإن استخدام هذا التبرير لا يبدو تطويرًا بقدر ما يبدو إساءة غير مباشرة إلى تاريخ طويل من الكفاءة الوطنية.
ثم ما طبيعة هذه “الخدمات الجديدة” أصلًا؟ وهل المطلوب تحويل جرش إلى نسخة مغلقة من حفلات النخبة المترفة؟ فالمهرجان، تاريخيًا، لم يكن مساحة للفرز الطبقي، ولا مناسبة تستعرض فيها السيارات الفارهة والفساتين الباهظة، بل كان متنفسًا ثقافيًا وشعبيًا مفتوحًا للأردنيين جميعًا. كانت العائلة الأردنية البسيطة قادرة على الذهاب إلى جرش والاستمتاع بفعالياته دون أن تشعر بأنها دخلت فضاءً استثماريًا مغلقًا أو مناسبة خاصة بالنخب الثرية.
أما اللغة الجديدة التي يجري تسويقها اليوم، فتبدو وكأنها تعيد صياغة جمهور المهرجان نفسه، وتحاول تحويله تدريجيًا من فضاء ثقافي وطني مفتوح إلى منتج استهلاكي فاخر، يخاطب الرعاة والاستثمارات والصورة التجارية الجديدة أكثر مما يخاطب الناس الذين صنعوا ذاكرة جرش الحقيقية.
ثم إن السؤال الأخطر هنا لا يتعلق بالمذكرة وحدها، بل بطريقة اتخاذ القرار نفسها. فهل ناقشت اللجنة العليا للمهرجان هذه الاتفاقية فعلًا؟ وهل عُقد اجتماع رسمي جرى فيه مناقشتها؟ وهل اطّلعت الحكومة على تفاصيل ما جرى؟ أم أن قرارًا بهذا الحجم تم تمريره باعتباره إجراءً إداريًا عاديًا، دون نقاش حقيقي حول تداعياته الثقافية والوطنية؟
إن السؤال هنا موجّه مباشرة إلى رئيس الوزراء، لا بوصفه مسؤولًا حكوميًا فقط،، بل بوصفه مسؤولًا عن حماية المؤسسات الوطنية ورمزيتها العامة، لأن القضية لم تعد قضية تنظيم أو خدمات، بل قضية تتعلق بحماية مؤسسة وطنية ورمز ثقافي ارتبط باسم الأردن نفسه. فجرش ليس شركة قابلة للتفويض، ولا “براند” قابلًا للتأجير التدريجي، بل جزء من الذاكرة الثقافية الأردنية ومن صورة الدولة وهيبتها.
ورغم كل الانتقادات التي وُجهت للدورات الأخيرة، بقي جرش قادرًا على الحفاظ على جوهره الوطني والثقافي، وعلى تقديم صورة مشرقة عن الأردن. أما الاستمرار في هذا المسار، فلن يقود إلى “التطوير” كما يُقال، بل إلى تفكيك المهرجان من الداخل، وتجريده تدريجيًا من روحه التي جعلت منه، لأكثر من أربعين عامًا، واحدًا من أهم رموز الثقافة الأردنية والعربية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى