
الأعور الدجال
من أكثر المواضيع التي شغلت المسلمين على مر العصور فتنة الأعور الدجال، وقد كتب عنه الكثير وروى فيه أكثر من خمسين قولا بين حديث صحيح ورواية وتفسير، واعتبر ظهوره علامة من علامات الساعة.
ومع أن القرآن الكريم يؤكد أنه لا أحد من البشر ولا الأنبياء لديه علم بموعد الساعة، إلا أن هنالك إشارات لأحداث ستجري قبيل نهاية العالم، وهذه الإشارات الصريحة هي ثلاثة فقط، وقد وردت في ثلاثة مواقع : ” فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ “، والثانية:” وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ”، أما الثالثة: ” حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ “.
أما الأحداث المرافقة لحدوث الساعة فقد أورد القرآن الكريم كثيرا من الأحداث التي ستكون فيها انتهاء الحياة الدنيا، وهي كثيرة وليست موضوعنا الآن: مثل ذهاب نور الشمس والسماء الحمراء والجبال المدكوكة واشتعال البحار..الخ.
الملاحظ أنه على أهمية هذا الأمر وكثرة الأحاديث المنسوبة الى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تحذر منه، إلا أنه لا ذكر له في القرآن، فهل أن الموضوع أدخلت فيه الإسرائيليات التي تعج بها كتبنا التاريخية، والتي لم تخضع لأية درجة من التحقيق العلمي!؟.
لا شك أن هنالك أحاديثا صحيحة ذكرته مثل: ” إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ “، وقد ورد بصحيح مسلم برقم 924.
ربما شكّل استغراق المسلمين بالبحث في هذا الموضوع فتنة واختلافا لا يقل ضررها عن فتنة الدجال ذاته، فقد استحدثت طوائف وفرق بناء على التصديق والتكذيب بالروايات عن أحداث المستقبل مثل المهدي المنتظر والمسيح الدجال والمسيح الذي ينزل آخر الزمان، وأدخلت روايات كثيرة لدعم حجج المولعين بمثل هذه الأمور.
والإحصائية التالية تبين عدد الأحاديث المتعلقة بالدجال، ففي موطأ مالك الذي توفي عام 179 هـ هناك أربعة أحاديث فقط، وفي مصنف ابن شيبة المتوفى عام 235 هـ 42 حديثا، وفي صحيح البخاري المتوفى عام 256 هـ بلغت 51 حديثا، لتبلغ في صحيح مسلم المتوفى عام 261 هـ ستين حديثا!.
لو استعرضنا في تلك الروايات الصورة التي تصفه، لوجدنا أنه صورة تطابق تصورات أهل ذلك العصر، مع أنه سيخرج في زمان يكون العلم فيه متقدما، فهو شاب كث الشعر يدعي الألوهيه، يرى بعين واحده لذلك دعي بالأعور، ويمسح الأرض في لحظة لذلك دعي بالمسيح، لديه جبال من الخبز ويسقط المطر بأمره، لكن تدخل الخرافات حينما يقولون أنه يمتطي حمارا المسافة بين أذنيه أربعين ذراعا!.
من حيث المبدأ ليس لنا أن نشكك بالأمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، لكن لنا أن نفهمه بسياق المنطق، فما كان الناس ليفهموا آنذاك ما سيتطور من وسائل نقل واتصالات، بناء على ذلك هنالك رأي له وجاهته يرى أن الفتنة هذه تجسدها الحضارة الغربية، ولو فحصناها لوجدنا أنها تتطابق مع الأوصاف النبوية : فهي تنظر الى الإنسان بعين واحده، الذي هو مادة وروح، لكنها لا ترى منه غير المادة وتهمل الروح لذا فهي عوراء، كما أنه بأقمارها الصناعية تمسح الأرض جميعها في ثانية، وتنزل المطر متى أرادت، وتملك جبالا من الخبز، وتطعم من تشاء وتجوع من لا يؤمن بها، عدوها الأول الدين ومبدؤها الإلحاد، يفتتن بها المسلمون ويتبعون تعليماتها ويتركون تعاليم الله …أليست فاتنة عن دين الله؟.
