
حين يتعلم المجتهد كيف يصمت
بقلم عمر الدريني
في البداية، كان يتحدث كثيرًا، يقترح، ويناقش، ويسأل عن سبب القرار، ويقدم فكرة لتحسين العمل، ويعود إلى مكتبه وهو يشعر أن لديه شيئًا يستطيع أن يضيفه، لم يكن يبحث عن منصب ولا عن تصفيق، كان يريد فقط أن يرى أثرًا لسنوات تعلمه وخبرته، ثم مر الوقت، وبدأ يلاحظ أشياء صغيرة لا تُكتب في التقارير: فكرة قدمها بقيت على الطاولة، ومهمة تحملها غيره ثم نُسب النجاح إليه، وفرصة كان يظن أن الكفاءة تقوده إليها ذهبت إلى شخص آخر، وملاحظة مهنية قالها بحسن نية ففُهمت باعتبارها اعتراضًا، في المرة الأولى صمت قليلًا، وفي الثانية تردد، وفي الثالثة تعلم الدرس الذي لا ينبغي لأي مؤسسة أن تعلّمه لموظفيها: كن أقل اجتهادًا، تكن أقل عرضة للخذلان.
هذه هي اللحظة التي تبدأ فيها المؤسسة بخسارة شيء لا يظهر في سجلاتها المالية؛ إنها تخسر المبادرة، فالإنسان لا يفقد حماسه في يوم واحد، ولا يستيقظ صباحًا ليقرر أنه لن يهتم بعد الآن، غالبًا ما يتراجع تدريجيًا عندما يشعر أن الجهد الإضافي لا يغير النتيجة، وأن جودة العمل لا تنعكس بالضرورة على فرص التقدم، وأن الحديث المهني قد يتحول إلى مشكلة، بينما الصمت يوفر له قدرًا أكبر من الأمان، وهنا تتحول ثقافة العمل من سؤال «كيف ننجز بصورة أفضل؟» إلى سؤال «كيف ننجز دون أن نلفت الانتباه؟»، وهذه من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب أي مؤسسة، لأن الموظف الذي يؤدي الحد الأدنى قد يكون ملتزمًا بالنظام، لكن المؤسسة التي اعتادت منه الحد الأدنى تخسر كل ما كان يمكن أن يقدمه فوق ذلك.
وليس من العدل أن نختصر هذه المشكلة في كلمة «محسوبية» فقط؛ فقد يكون سببها ضعفًا في الإدارة، أو غياب معايير واضحة، أو تقييمًا غير دقيق للأداء، أو مديرًا لا يجيد اكتشاف المواهب، أو بيئة لا تتقبل الرأي المختلف، لكن النتيجة قد تكون واحدة: تراجع قيمة الكفاءة في نظر أصحابها. وعندما يشعر الموظف أن سنوات الخبرة والتعلم لا تمنحه مساحة للتأثير، فإنه قد يبقى في المؤسسة بجسده، لكنه يبدأ بالانسحاب منها مهنيًا، يحضر في الموعد، يؤدي المطلوب، يوقع الأوراق، ينهي ساعات العمل، ثم يغادر، كل شيء يبدو منضبطًا في الظاهر، لكن شيئًا مهمًا اختفى في الداخل: الرغبة في أن يكون أفضل مما هو مطلوب منه.
والكفاءة التي لا تجد بيئة تحميها لا تختفي بالضرورة؛ قد تبحث عن مكان آخر. بعض أصحاب الخبرة يتوقفون عن التقدم، وبعضهم يفضل العمل الفردي بعيدًا عن المسؤوليات، وبعضهم يبحث عن مؤسسة أخرى تقدر ما لديه، بينما يبقى آخرون لأن ظروف الحياة لا تسمح لهم بالمغادرة. وفي الحالات الأخيرة تحديدًا تصبح الخسارة أكثر قسوة؛ لأن المؤسسة تحتفظ بالموظف، لكنها لا تحصل على أفضل ما لديه، وهنا ينبغي أن نعيد النظر في مفهوم الاحتفاظ بالكفاءات: ليس كافيًا أن يبقى الموظف في كشف الرواتب، المهم أن يبقى لديه سبب مهني يجعله يريد أن يقدم المزيد.
ولهذا فإن العدالة الإدارية ليست مجرد توزيع متساوٍ للمزايا، بل هي أيضًا خلق علاقة مفهومة بين الجهد والفرصة، لا يعني ذلك أن كل موظف مجتهد يجب أن يحصل على ترقية، فالمناصب محدودة، والقدرات مختلفة، والاختيار الإداري يحتاج إلى أكثر من عنصر واحد، لكن من حق الموظف أن يعرف: ما الذي ينقصني؟ ما المعايير التي سأُقيّم على أساسها؟ ماذا ينبغي أن أطور؟ وكيف يمكن أن أنتقل إلى مستوى أعلى؟ عندما تكون الإجابات واضحة، يستطيع الإنسان أن يختلف مع النتيجة لكنه يفهم مسارها، أما عندما تكون المعايير غامضة، فإن كل نتيجة تصبح قابلة للتفسير الشخصي، وهنا تبدأ المقارنات والشكوك.
وتولي منظومة تحديث القطاع العام في الأردن أهمية للكفايات والأداء وتطوير الموارد البشرية والقيادات، وهي مبادئ يفترض أن تجعل التقدم الوظيفي أكثر ارتباطًا بمتطلبات الوظيفة والقدرة على الإنجاز، لكن أي نظام، مهما كان متقدمًا، يحتاج إلى تطبيق يومي يشعر به الموظف في تفاصيل حياته المهنية، لا أن يبقى مجرد نص في وثيقة أو مادة في تعليمات، فالسياسات لا تنجح عندما تُكتب فقط؛ تنجح عندما يستطيع الموظف أن يلمس أثرها في التقييم والاختيار والتطوير والمسار المهني.
ربما لا تحتاج المؤسسة إلى الكثير من الخطب حتى تعيد للكفاءة قيمتها، تحتاج إلى مدير يسمع الفكرة قبل أن يسأل عن صاحبها، ولجنة تقرأ الإنجاز قبل الاسم، وتقييم يقيس العمل بدل الانطباع، ومسار واضح للتطور، وثقافة تسمح للموظف بأن يقول «لا أتفق» دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، تحتاج كذلك إلى الاعتراف بأن المدير ليس مطالبًا بأن يكون أكثر شخص يعرف كل شيء، بل أن يكون قادرًا على جمع المعرفة الموجودة في فريقه وتحويلها إلى نتيجة.
فالموظف الذي يصمت ليس دائمًا موظفًا راضيًا، كما أن الموظف الذي لا يعترض ليس بالضرورة موظفًا مقتنعًا، أحيانًا يكون الصمت نتيجة سنوات من التجارب الصغيرة التي أقنعت الإنسان بأن الكلام لن يغير شيئًا، وهذه الرسالة ينبغي أن تقلق أي مؤسسة أكثر من أي شكوى صريحة، لأن الشكوى تعني أن صاحبها ما زال يؤمن بإمكانية الإصلاح، أما الصمت الطويل فقد يعني أن صاحبه توقف عن الانتظار.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أصبح بعض الموظفين أقل حماسًا؟ بل: ماذا فعلنا حتى يتعلم الموظف المجتهد أن الصمت أكثر أمانًا من المبادرة؟ فالمؤسسة التي تريد أن تنجح لا يكفيها أن تمنع الفساد؛ عليها أيضًا أن تمنع الإحباط من أن يصبح ثقافة، وحين يشعر صاحب الكفاءة أن صوته مسموع، وأن جهده مرئي، وأن تقدمه مرتبط بما ينجزه، فإنه لا يعمل لنفسه وحدها؛ إنه يضيف إلى المؤسسة طاقة لا يمكن لأي نظام إلكتروني أو تعميم إداري أن يصنعها

