
الهموم مثل الغيوم، فبعد الغيم غيث وبعد الهمّ فرج
الشيخ كمال الخطيب
✍️ ولأننا أفرادًا وأمّة نعيش حربًا مفتوحة ومن جبهات مختلفة، من تكالب وشماتة الأعداء علينا وبنا، وتطاول السفهاء منّا، وخذلان الأشقاء لنا، وصمت وانخراس علمائنا. إنها الحرب السافرة تستهدفنا أفرادًا وتستهدفنا أمّة وقد قيل: “المؤمن بين شدائد خمس: نفس تنازعه، وشيطان يضلّه، ومنافق يبغضه، ومؤمن يحسده، وعدوّ يقاتله”، ومثل هذا التشخيص في كثرة الأعداء فقد قال الشاعر:
إني ابتليت بأربع ما سلّطوا إلا لشدة شقوتي وعنائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف السبيل وكلّهم أعدائي
✍️ فبين يديّ وأمام هذه الحرب السافرة، فما أحوجنا إلى الثبات وصلابة الموقف، والثبات يحتاج إلى الصبر، وقد جعل الله الصبر جوادًا لا يكبو، وصارمًا لا ينبو، وجيشًا لا يُهزم، وحصنًا لا يُهدم. ولقد جعل الله النصر والصبر شقيقين لا ينفصلان، وأثر الصبر في الفرج والنصر كأثر الرأس على الجسد، وقد قال ﷺ: “واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرًا”. وقد جعل الله للصابرين معيّة معه سبحانه، فإذا صبروا كانوا في معيّته وفي كنفه {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [153 سورة البقرة].
✍️ ولأنهم مع الله وكان الله معهم، فإنهم بذلك قد ظفروا بخيريّ الدنيا والآخرة وفازوا بالنعم الظاهرة والباطنة، فقال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [24 سورة السجدة].
✍️ وقد أخبر سبحانه أن الصبر خير لأهله {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} [ 126 سورة النحل]. وبشّر سبحانه الصابرين بثلاث بشريات {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَأُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [155-157 سوة البقرة]. وجعل سبحانه الفوز بالجنة والنجاة من النار مضمونة للصابرين {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [111 سورة المؤمنون]. وجعل سبحانه أجر وثواب كل عمل وطاعة وعبادة معلومًا إلا الصبر، فلقد أخفى الله عظيم أجره فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [10 سورة الزمر].
ولقد جعل أهل العلم الصبر على أربعة أنواع:
🔷 الصبر على البلاء
✍️ الصبر على البلاء بضاعة وسلعة الصديقين، لأن الصبر على البلاء شديد على النفس، ولشدّته فقد كان النبي ﷺ يدعو الله أن يرزقه إياه، فكان يقول: “أسألك من اليقين ما تهوّن به عليّ مصائب الدنيا”.
إنه الصبر الذي به تعرف صدق محبة العبد لربّه سبحانه، فكلّ الناس يدّعون حبّ الله تعالى حتى إذا امتحنهم بالبلاء والمحن انخلعوا من هذه المحبّة ولم يثبت إلا الصابرون، ولهذا وصف الله بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه، فقال عن حبيبه أيوب الذي ابتلي فصبر: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [44 سورة ص]، ثم أثنى عليه فقال: {نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [44 سورة ص]، إنه أيوب الذي بلغ من أدبه في الصبر على البلاء، إنه قال: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [83 سورة الأنبياء]، لقد تأدّب في وصف ما هو عليه بالقول “مسّني” ولم يقل “هدّني”، وما أجمل ما قال الشاعر:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
✍️ وهذا الصحابي الجليل عروة بن الزبير رضي الله عنه قد مرض وكان لا بد من قطع رجله، فقال له الطبيب: “سقيناك دواء كي لا تشعر بالوجع، فقال: إنما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره. إلهي إن سلبت فلطالما أعطيت، وإن أخذت فطالما أبقيت، وأبقيت لنا فيك الأمل يا برّ يا وصول”.
🔷 الصبر عن المعصية
✍️ إن مشقّة الصبر تكون بحسب قوة الدافع إلى الفعل وسهولة قيام العبد بذلك الفعل، فإذا اجتمع هذان الأمران كان الصبر شاقًّا وصعبًا، ولذلك كان صبر السلطان عن الظلم، وصبر الشاب عن المعصية، وصبر الغني عن الحرام له أعظم المكانة والمنزلة عند الله تعالى. ولهذا فقد ضمَّن النبي ﷺ هؤلاء في الحديث الشريف الذي ضمِن الله لسبعة أصناف من الناس أن يظلّهم في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، قال ﷺ: “سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله تعالى، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه”.
✍️ قال ابن القيم رحمه الله: “الصبر عن معاصي اللسان والفرج أصعب أنواع الصبر”. وقال: “كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز أكمل وأفضل من صبره على إلقاء إخوته له في الجبّ، لماذا؟! لأنه كان شابّا وكان أعزبَ وكان غريبًا وكان مملوكًا. أما هي فكانت امرأة جميلة، وهي التي راودته، وكان المكان آمنًا، وقد هَيأت كل الأسباب، وأكثر من ذلك فإنها هدّدته بالسجن والصّغار والإذلال {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ} [32 سورة يوسف]. ومع كل هذه الدواعي والدوافع والظروف، فإن يوسف عليه السلام قد صبر إيثارًا لما عند الله تعالى، فصبر على المعصية {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} [33 سورة يوسف].
🔷 الصبر على الطاعة
✍️ وإن أكمل الناس صبرًا على الطاعة هم أولو العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولذلك فإن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يحذو حذوهم وأن يصبر صبرهم، فقال عز من قائل: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} [35 سورة الأحقاف]، بينما نهى الله سبحانه رسوله ﷺ أن يكون مثل صاحب الحوت يونس عليه السلام الذي لم يصبر مثل صبر أولي العزم، وإنما هو الذي استعجل فلم يحتمل ما كان من قومه من ضلال، فقال سبحانه: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} [48 سورة القلم].
✍️ فهذا خليل الله إبراهيم أحد أولي العزم من الرسل، فإنه صبر على طاعة الله وصابر حتى أن الله تعالى قال في مدحه والثناء عليه: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [37 سورة النجم]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “ما قام أحد بدين الله كلّه إلا إبراهيم عليه السلام فإنه قدّم بدنه للنيران، وقدّم طعامه للضيفان، وقدّم ولده للقربان”.
إنه إبراهيم خليل الله ومن يصبر صبره؟ يأمره ربّه بجعل ولده وزوجته في مكان قفر فيصبر ويطيع، ويأمره بذبح ابنه وحيده وهو الشيخ الطاعن فيصبر ويطيع، ويُلقى في النار فيصبر طاعة لله، ابتلاه ربّه بكلمات فأتمّهن، كسّر الأصنام غيرة لربّه، ولأنه فعل كل ذلك طاعة لله فصبر على كل هذا البلاء، فإن الله لم يضيّعه، فما أن أُججت النار وألقوه بها، فإن الله سبحانه قد نجّاه منها بل جعلها بردًا وسلامًا عليه {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} [69 سورة الأنبياء].
✍️ وعلى درب إبراهيم في الصبر على طاعة الله، بل وعلى درب محمد ﷺ سار بلال بن رباح رضي الله عنه لما هانت عليه نفسه في سبيل الله، وهان هو على قومه فجعلوا يطوفون به في الطرقات وفي شعاب وبطحاء مكّة يعذّبونه بل يسومونه سوء العذاب وهو يردد أحدٌ أحد، حتى قال الشاعر كلمات على لسانه لكأنه يردّ بها على جلّاديه:
لقد نالت سياط الكفر يومًا بمكّة من ظهور الصالحينا
فمهلًا يا طغاة الشرك مهلًا فطعم السوط أحلى ما لقينا
وما عبنا عليه سوى جراح تصيب الجسم دون الروح فينا
✍️ وهذا عمار بن ياسر يصبر ويحتمل في سبيل الله حتى أنه ومن شدّة ما نزل به من العذاب فإنه بدأ يهذي حتى أنهم لقّنوه كلمات فيها ينال من رسول الله ﷺ، فراح يردّدها من غير وعي فأنزل الله سبحانه قرآنًا يبرئه فيه من الكفر لنيله من رسول الله ﷺ، وأنه فعل ذلك مكرهًا مضطرًا {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [106 سورة النحل].
✍️ وهذا خباب بن الأرَتْ رضي الله عنه، فقد صبر على طاعة الله تعالى حتى أنهم كانوا يطفئون أسياخ الحديد المحمى في النار على جسده بينما يردد بلسانه ويقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلوٍ ممزع
✍️ إنه الصبر على طاعة الله وفي سبيل الله، هو طريق طويل تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وأُلقي في النار إبراهيم، واضطجع للذبح إسماعيل، وشُقّ بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضرّ أيوب، وزاد في البكاء داوود، واتُهم بالسحر والجنون محمد ﷺ. إنه طريق الصبر على طاعة الله، طُعن فيه عمر، وقُتل عثمان وعلي، وقُتل الحسين وسعيد بن جبير، وعُذّب سعيد بن المسيب ومالك وأحمد بن حنبل، وقتل بالرصاص غدرًا حسن البنا، وعلق على حبل المشنقة سيّد قطب، ومات في سجنه مريضًا محمد مرسي. إنه الصبر على طاعة الله وفي سبيل الله يدفعه اليوم من أجسادهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم ما تبقّى من أخيار هذه الأمّة الذين التقى على حربهم أعداء الإسلام مع عملائهم حكّام وزعماء المسلمين.
ففي سجنه ما زال يقبع الدكتور محمد بديع ابن التسعين وراشد الغنوشي ابن الخامسة والثمانين وسلمان العودة وناصر العمر وسفر الحوالي وغيرهم.
✍️ إنهم أبناء وبنات المشروع الإسلامي والصحوة الإسلامية المباركة في كل أرجاء العالم الإسلامي ممن أخذوا على أنفسهم العهد أن تظلّ راية محمد ﷺ مرفوعة حتى يتمّ الله نوره ويظهر دينه على الدين كلّه ولو كره الكافرون. إننا نراهم وهم يجدّدون البيعة كل يوم لرسول الله ﷺ وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمدًا على الإسلام ما حيينا أبدًا، إنهم الثابتون الصابرون على كيد الأعداء وتطاول السفهاء وخيانة الزعماء وخذلان الأشقاء، لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قالوا أين هم يا رسول الله؟ قال في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.
🔷 الصبر على انتظار الفرج
✍️ في ظلّ الظلم الواقع على شعبنا، والحرب السافرة على أمتنا، وحالة التكالب غير المسبوقة لطمس أي نور ينبعث يضيء للأمّة ظلمة ليلها البهيم، وفي ظلّ قناعة كلّ مسلم صادق أن هذه مرحلة سنتجاوزها وكبوة سننهض منها بإذن الله وما علينا إلا الصبر والثبات واليقين بوعد الله وحسن الظنّ بالله سبحانه، إنه سيفرج عنّا ما نحن فيه.
✍️ إن انتظار الفرج والثبات على العقيدة والثوابت ليس سلوك الضعفاء والعاجزين كما يصوّر ذلك بعد السفهاء والجهلاء، وإنما هو عبادة قال عنها النبي ﷺ: “وانتظار الفرج عبادة”، وقال: “ومن العبادة انتظار الفرج” وقال: “العبادة في الهرج كهجرة إليّ” أي في وقت الفتن واختلاف الأمور على الناس.
ولأن الصبر على البلاء عبادة، والصبر على الطاعة عبادة، والصبر على المعصية كذلك عبادة، فإن الصبر في انتظار الفرج عبادة لا لشيء إلا لأنه لا أصعب من أن ترى النور من وسط الظلام، وترى اليُسر من قلب العُسر، وترى الفرج من وسط الكرب، وترى وتنتظر بيقين وعد الله لعباده من وسط أصوات المرجفين والمثبّطين واليائسين قال ﷺ: “إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسّك فيهنّ يومئذ بما أنتم عليه خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم”.
✍️ يوم أول أمس الأربعاء 23/9 كانت بداية فصل الخريف والذي من أبرز ملامحه تغير الطقس وهبوب الرياح وتكاثر الغيوم في السماء، وبداية سقوط أول الغيث وصولًا إلى فصل الشتاء، إنه الخريف مقدّمة الشتاء موسم الغيث والمطر، وما أكثر رسائل التفاؤل فيه، وما أصدق ما قال الشاعر أنس الدغيم ابن الشام:
مطر على أبواب عيدك نازل وأكاد أسمعه يقول تفاءلوا
قطرات هذا الماء فوق زجاجنا ما كنّ ماء إنهنّ رسائل
هذا للهيب سينقضي ويجيء من بعد اللهيب مواسم وجداول
✍️ وعليه فإنه اليقين الذي يلازمنا والتفاؤل الذي يجب أن يظلّ يغمرنا أن الهموم التي تنزل بأمتنا وأن الحرب السافرة على ديننا مثل الغيوم، نعم إن الهموم مثل الغيوم تتكاثر وتتجمع وتتلبّد وتثقل وتسود، والريح تزمجر، والبرق يخطف والرعد يقصف ثم لا تلبث أن تنزل مطرًا وغيثًا.
وإنها الهموم تتكاثر وتتجمع وتثقل على الأمّة ثم لا تلبث أن تكون فرجًا بإذن الله تعالى. وإن غدًا لناظره قريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
