أول اﻷسس في العهد المدني / عبد اللطيف مهيوب العسلي

أول اﻷسس في العهد المدني
******
ها هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يبدا العهد المدني ،
ودخل المدينة لا يرفرف على رأسه علم ,ولا يمشي وراءه موكب ولا يقرع له طبل ولكن ترفرف على رأسه راية القرآن ,وتمشي وراءه العصور القوادم ,ويخفق له قلب التاريخ ما بقي في الدنيا تاريخ ,وخُتمت في تاريخ الدعوة صفحة وفتحت صفحة أخرى ومضى عهد الضعف والأذى وبدأ عهد القوة والظفر وكانت الهجرة هي الحد الفاصل بين العهدين .
******
ـ بين عهد الذلة وعهد العز ة ، بين عهد الخيبة وعهد النجاح ,وأنها كانت الفصل الأول في كتاب المكارم ,والمفاخر والأمجاد ,وان على المسلم كلما ضاقت به سبل الحياة وسدت عليه طرق النجاح في حي أو بلد أو قطر,
أن يهاجر الى حيث الظفر والعزة والحرية ,وحيث يكون ذلك كله وحيث تسود العدالة ويعم النور ,
وحيث ينادي المنادي : لا إله إلا الله محمد رسول الله ـ فذلك وطن المسلم .
فبم يبدأ العهد المدني صلى الله عليه وسلم؟
، أيبدأه بتأسيس الحراسة الرأسية؟
أو ما شابهها .
أم يبدأه بتأسيس القصر الرئاسي …؟
لقد ترك كل مغريات الملك والجاه وكل المغريات التي قدمتها له قريش .
لقد بدأ بتطبيق المبادئ التي ناضل من أجلها 13 عاما أكثر من 8000 ألف يوما ظل يناضل من أجلها في مكة ، وجأت المرحلة الحاسمة والمحك الحقيقي فمن السهل التنظير ولكن الإختبار الحقيقي هو العمل والإلتزام بما دعا اليه وها هو يبرهن على ذلك بإعلان مشروعه القائم على ثلاث اسس :
اﻷساس الأول :
بناء المسجد
الثاني :
الوثيقة الدستورية
الثالث :
المؤاخاة .
ولماذا يبدأ بالمسجد ؟
وعلى أي أساس يبنيه ؟
يبدأ بالمسجد ﻷن المسجد هو المعبد رمز الدين ، وهو البرلمان رمز الحرية والديمقراطية
يبدأ بالمسجد ﻷن صلاح المؤسسة الدينية ( المسجد ) يترتب عليه صلاح كل من المؤسسة الإجتماعية والمؤسسة السياسية ويترتب على فسادها فساد كل من المؤسسة الإجتماعية والمؤسسة السياسية.
ولذلك أسسه على التقوى هكذا أخبرنا الله سبحانه وتعالى :
(( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ….))
فيا ترى ماذا كان أول خطبة خطب بها في أول جمعة أقامها في المدينة بعد هجرته …؟
وﻷنه أول مسجد أسس على التقوى
، فإن موضوع خطبته هي ( التقوى ) ﻻ غيرها وقبل إيرادها سنتناول مفهوم التقوى ومراتبها من زواية مختلفة .

ولقد وردت ( التقوى ) في القرآن
الكريم في آيات كثيرة يقول الحق سبحانه وتعالى “ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب وإياكم أن اتقوا الله ”

تعلمون – معشر السادة اﻷعزاء – وفقني الله وإياكم الى تقواه والى ما يوجب رضوانه أن أهم صفة يتصف بها المؤمن هي تقوى الله
وأهم فرض يتلزمه المؤمن هي التزامه بكلمة التقوى .
“ومن لديه شك فما عليه اﻻ أن يقرأ هذه اﻷية الكريمة من سورة الفتح وذلك قوله سبحانه وتعالى (( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما”))
فالتقوى يا عباد الله مفهوم عظيم من المفاهيم الإسلامية لم تتح الفرصة للجاهلية التعامل معه وان كانت هناك بعض المفاهيم الجيدة ك “المروءة والشجاعة والغيرة ,وغيرها “إلا إن التقوى مفهوم جديد وقيمة عظيمة من قيم الإسلام والفرق بينها وبين المروءة أن التقوى يبتغى بها رضى الله بينما المروءة خلق كريم يلتزم به صاحبه حين يجد المبرر والقناعة دون النظر إلى الدين لقد أخذ المؤمنون بهذا المفهوم العظيم وأصبح لديهم ملكة نبع عنها السلوك الذي تجعل القلب حساسا شاعرا بالله خائفا أن يطلع الله عليه وهو في حالة لا يرضاها الله منه * أو يطلع الله عليه فلم يجده في موضع يحب الله أن يراه فيه *.وعين الله مطلعة على كل قلب في كل وقت وحين فالمتقي لا يأتي موضع لا يحب الله أن يراه فيه * والمؤمن لا يغيب عن موضع يحب الله أن يراه فيه * ,فاحذر أيه المؤمن أن يراك الله في معصية أو يفتقدك في طاعة .
….
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشِ فوق أرض الشوك بحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
وللتقوى مراتب توضحها اﻷية من سورة المائدة لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)
لقد ذكرت التقوى في اﻷية الكريمة ثلاث مرات
فهي ليس تكرارا ، بل لكل منها معنى ففي الاولى قال تعالى
ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات..
فمعنى التقوى في الأولى اي جتنبوا خبيث الحرام
وفي الثانية ….التقوى تعني أنهم اجتنبوا الشبهة بعد اجتناب الحرام
والتقوى في الثالثة …اي اتقوا الشح فيما آتاهم الله من طيب الحلال .

ومن معاني التقوى الخوف من الله سبحانه وتعالى وكما قال سيدنا علي رضي الله عنه ( الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل والرضا بالقليل ) والتقوى كذلك الحذر والابتعاد من المعاصي فالأتقياء هم الذين وقوا أنفسهم من عذاب الله وسخطه والتقي هو الذي وقى نفسه من الشح قال سبحانه :”ومن يوق ق شح نفسه فأولئك هم المفلحون” قد جاء ذكر التقوى في كثير من سور القران من ذلك ما جاء في سورة البقرة وآل عمران والذاريات ففي البقرة قوله تعالى:(الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة….)) وقوله سبحانه وتعالى:(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من امن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وءاتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ))البقرة 177
فمن دلالة هذه الآية أنها تعني الالتزام بكل المعاني والقيم والأسس الإسلامية فهي التزام بالعدل والبر والإحسان الالتزام بالعدل حين يكون ذلك مناسبا والالتزام بالإحسان حين يكون الإحسان مناسبا فالتقوى التزام بعمل الأفضل والأنسب والأكمل بهدف الحصول على رضا الله وبوازع ذاتي فالتقوى هي الوسيلة التي تجعل الناس يؤدون واجباتهم حتى وإن كانت هذه الواجبات شاقة عليهم حتى ولو لم يكن المجتمع قادرا على أن يلزمهم على أن يقوموا بذلك وحتى ولو كانت الدولة عاجزة على إجبارهم على فعل ذلك ومن هذه المعاني للتقوى ما جاء في قوله تعالى قل أأنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا عند ربهم 15…16..17
ومن مفاهيم التقوى أنها التزام الصدق قال تعالى ((والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون))ومن هذه المفاهيم يتبين لنا أن كلمة التقوى أعم وأشمل من التقوى وحدها لأن التقوى لها مراتب ومعاني|فهي تارة بمعنى الصدق وتارة بمعنى اجتناب الحرام وتارة تعني اجتناب الشبهات وتارة كبح جماح النفس من الشح أما معناها في الآية الكريمة وألزمهم كلمة التقوى(( وكانوا أحق بها وأهلها))تعني أنهم التزموا كلمة التقوى في جميع مفاهيمها ومراتبها وفي هذه الحالة يمكن القول أنهم ملتزمون بالعدل متى ما كان العدل مناسبا وملتزمون بالبر متى ما كان البر مناسبا وملتزمون بالإحسان متى ما كان الإحسان مناسبا وملتزمون بالجهاد متى ما كان الجهاد مناسبا وقد يعدلون عن الجهاد إلى الصلح إذا ما كان الصلح مناسبا أو يأخذون بالعفو والمسامحة إذا ما كان مطلوبا ومناسبا,وهم يلتزمون وبصرامة ودون تساهل الوفاء بالعهود, والمواثيق مهما كلفهم ذلك من ثمن ومهما.
ولقد لخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مفهوم التقوى ألذي أسس عليه في
خطبته صلى الله عليه وسلم في أول جمعة في المدينة
(( فإنه خير ما أوصى به المسلمُ المسلم أن يحضه على الآخرة ويأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرا وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون به من أمر الآخرة ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكون له عون صدق في عاجل أمره وذخرا في ما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف في ذلك فإنه يقول:( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجلة في السر والعلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما فإن تقوى الله يوقي مقته ويوقي عقوبته ويوقي سخطه وإن تقوى الله يبيض الوجوه ويرضي الرب ويرفع الدرجة خذوا بحضكم ولا تفرطوا في جنب الله قد علمكم الله كتابه ونهج بكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم وعادوا أعدائه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حيا عن بينة ولا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم فإنه من يصلح ما بينه وما بين الله يكفيه الله ما بين وما بين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه يملك من الناس ولا يملكون منه)

** هامش

أول خطبة للرسول صلى الله عليه وسلم في أول جمعة له في المدينة
انظر جمهرة خطب العرب .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى