
في بساط العبودية” 5 ”
المستوى الأول من مستويات الإيمان .[ ب ]
3 – من دلائل الإيمان الصادق أن يعمل ولا يكسل .
……
مما يتحق به التصديق هو :
” العمل بمقتضى ما أمن به دون ملل أو كسل .
فالإيمان الصادق يعطي …قلق نفسي يدفع المؤمن للعلم والعمل بما أمن به ، ويعطيه حافز وقوة ودافعية الاستمرار حتى بلوغ ثمرة إيمانه ولو كان بعد حين ،
” ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي …”
ولقد قرن الله العمل الصالح والإيمان في مواضع كثيرة جدا في القرآن .
وعلى الجملة والتفصيل سأكتفي بالإشارة الى بعض المواضع منها ، ومن المهم الإشارة أيضا أن العمل الصالح مطلب كل عاقل ، ومطلوب من كل الناس على وجه العموم ،
ومطلوب على وجه الخصوص من المؤمنين وهو أوكد عليهم ﻷنه يتضمن عند المؤمن عهدا بينه وبين ، وعهدا بينه وبين الناس كتصرف راشد.
فمن المواضع التي جاءت في القرآن الكريم على وجه العموم قوله تعالى :
(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )الزلزلة .
ومما دلت عليه الأيات ما جاء في سورة البقرة ، وما جاء في سورة الحج قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
وكذلك في سورة الحج :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17)﴾
( سورة الحج
وكذلك في سورة المؤمنون ، وسورة السجدة قال تعالى :
((حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) المؤمنون .
وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)
السجدة .
قال تعالى في حق من يعمل صالح ، ومن لا يعمل :
(( مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)) الروم
********
وأما على وجه الخصوص .فيما طالب الله به أهل الإيمان ﻷنهم مطالبين بالعمل الصالح على وجه العموم ، مثل غيرهم ، ومطالبون كذلك على وجه الخصوص ، وكل مؤمن على حده مطالب بالوفاء بما أمن به ، يدخل في ذلك العبادات والمعاملات ، ولهذا يتوجب على من قطع على نفسه عهدا او الزم نفسه بشيء ان يوفي به ، والوفاء مع الله أولى من كل شي “ولا يسعنا إلا عفو الله وكرمه ”
فالإيمان كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ( ليس الإمان بالتمني وﻻ بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل )
فمن يقول آمنت ولم يعمل فهو كمن يقول سمعت وعصيت ، ومثل هذا قال الله تعالى :
في قوم موسى ممن قالوا بالسنتهم ولم تؤمن قلوبهم وأركانهم :
( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (93).) البقرة .
وكذلك ما جاء سورة المائدة :
🙁 يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ))
وكذلك ما دلت علية اﻵية :
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) ) المائدة .
..
وجاء في مواضع كثيرة في المؤمنين من أمة محمد ممن سمعوا وعصوا أو قالوا ، ولم يفعلوا منها قوله تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) الصف .
وكذلك ما جاء في سورة العنكبوت :
(( الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين (3) أم حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)
وقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) ) العنكبوت .
وقال سبحانه وتعالى في حق من قال وفعل :
( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32) فصلت )
وقال في حق عموم المؤمنين ممن صدق القول والعمل:
(( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97))
وكذلك قوله تعالى :
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58))
وابطل الله سبحانه وتعالى دعوى وأماني كل طائفة من أتباع الرسل ممن يدعون الإيمان بأن تنالهم رحمة الله وهم ويترتكبون السيئات ، أو يمنون أنفسهم بان ينال شفاعة أنبيائهم عليهم السلام ، إن هم لم يعملوا صالحا، فزعم أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وزعم أهل الإسلام ، أنهم حماة الدين والسنة والشريعة ، وفريق آخر أنهم أنصار وأشياع آل بيته الكرام ..
فقال سبحانه وتعالى :
(( ليس بأمنيكم وﻻ أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا وﻻ نصيرا )) ” 123 ” النساء.
فلا محمد يليكم من دون الله فينصركم منه ، ولا موسى وعيسى يلونهم من دون الله فينصروهم منه .
كيف لا ؟
فإنه لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
(وانذر عشيرتك الأقربين )
قام مناديا آمرا لعشيرته وناهيا : ” يا عباس ابن عبد المطلب ، يا علي ابن ابي طالب ، يا فاطمة بنت محمد إني ﻻ أملك لكم من الله شيئا “.
وقال موسى عليه السلام متبرئا من الفسقة اللئام، راجعا بنفسه وأخيه إلى رب العالمين :
(( رب إني ﻻ أملك إلا نفسي وأخي فأفرق بيننا وبين القوم الفاسقين )) “25” المائدة .
وقال عيسى عليه السلام معتذرا إلى الله ومتبرئا من قول النصارى : ( المسيح ابن الله )
(( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة .
وخلاصة القول :
أن الإيمان بلا عمل دعوى بلا دليل .
ودعوى الإيمان بلا عمل صالح مذموم في الدنيا والأخرة .
والعمل الصالح ممدوح في الدنيا والآخرة .
فإن أقترن بالإيمن كان فيه الفوز والفلاح في الدنيا والأخرة ..
سنتحدث عن الفلاح في المستوى الثاني للإيمان في الموضوع التالي .
والله ولي الهداية والتوفيق ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ..
ربنا آتنا من لدنك رحمة وعلمنا من لدنك علما .


