
صفعة على وجه الحقيقة
إبحار نقدي في قصيدة “البوعزيزي”
للشاعر: سلطان الركيبات
.
.
وادٍ من المتناقضات ألفيت نفسي فيه.. المتبحر في قصائد المتنبي التي سميت عيون العرب يفهم جيدا ما يعنيه كلامي، بين أبيات هذا الشاعر جمال لا تصفه كلمات، تخيل – يا رعاك الله – أن تقرأ مأساة إغريقية كاملة يمضي فيها البطل نحو نهايته بإصرار، في ذات الوقت أنت تدندن بين شفتيك قصيدة تصف خطواته !!.. هذا أشبه بإستمتاعك بطعم العسل تحت وابل من لسعات النحل، أوجعتني كلماته.. لكن جسدي كان يقشعر عطفا وأنا أتنقل من بيت إلى بيت، ومن شطر إلى شطر..
فالشعر في مسامع الناس رتم ووزن وقافية، لكن الشعر في ديدني (ما أشعر وقشعر)، الصورة والبلاغة، أن تحس بتلك الرجفة الماسوشية تجتاحك وأنت تقرأ، أن تجلد ذاتك لأن هناك مأساة لم تساهم في إيقافها، ولم تساهم – مثل صديقنا الشاعر – في أن تعطيها حقها ولو بالكلمات..
في قصيدة (البوعزيزي) للشاعر الجميل سلطان الركيبات هناك ملحمة كاملة إتخذت من حدث القرن موضوعا، لم يكن شاعرنا أول من فكر أو كتب أو نشر، لم يكن هناك على أرض الواقع، ولم تربط بينه وبين شرارة الحريق الأكبر “البوعزيزي” أي صلة عدا عن اللسان والدين والهوية، هذا يجمع ما يقارب النصف مليار بشري ولا يعتبر دافعا لأن تشعر معه أكثر من غيرك بتلك الدرجة، إذا ما الذي أيقظ في شاعرنا تلك القريحة التي إختلفت عما سواها؟!.. ربما هي روح اعتادت السفر في آفاق المجاز تبحث عن معنى جديد لكلمة “قهر”…!!
على قَدْر التَّجلُّدِ كُنْتَ جَلْدا
ووابلُ ما خَلا أرداكَ صَلْدا
تُقلِّبُ غيبَكَ المكتظَّ سعياً
ويبدو.. لا جديدٌ قدْ تَبدَّى
رياحُ الذكرياتِ ذَرتكَ جذعاً
بخارطةِ الحياةِ يعيشُ فَرْدا
بقاؤكَ لا حضورٌ يرتديهِ
مَآلُكَ كابتدائِكَ ما استجدَّا
وجودُكَ من (عسى) ما أنفكَّ غيباً
خِلالُكَ من مرورِ (لعلَّ) قُدَّا
ربما أختلف مع شاعرنا هنا.. الإنتحار يأتي بعد اليأس، حين تغلق دونك كل الأبواب ويقول لك الشيطان: “هيت لك”، لكن وجهة نظر الشاعر قالت ونظمت، هنا لعبة الأضداد والتحور حول الحدث للوصول إلى اللب وترك القشور وراءنا، أن نرى من زاوية أخرى مغايرة، البوعزيزي عاش على هامش الحياة، فلا الحضور أولاه اهتماما ولا الغياب ترك فراغا، هل مات البوعزيزي حقا؟!.. حسن لا بأس.. ماذا بعد؟!!
نبوءةُ جَدِكَ البدويِّ حُقَّتْ
ستحرثُ مثلَهُ الأيامَ كدَّا
سترتشفُ الأماني كلَّ صبحٍ
وليلاً تفرشُ الأطلالَ لَحْدا
سيهلُكَ التَّصدعُ اجتياحاً
ويردمُ كلَّما سَتقيمُ سدَّا
ويسحقُ صبرَكَ المطلوبَ حياً
مكابسُ دهرِكَ الساديِّ جدا
وتدفعُكَ الأنا لتصيرَ حرَّاً
فترجعُ كالصَّدى للذلِّ عَبْدا
إذا تتنفسُ الصُعداءَ يوماً
يزيدُكَ حثُّ رملِ الحظِ وأدا
كأنَّكَ للتَّجاربِ صرتَ فأراً
كأنَّكَ في النَّطيطِ غدوتَ قِردا
قبل النبوءة كان الضعف، وقبل الضعف كان اللهو، وقبل اللهو كانت العزة، حين تصل بنا الحياة للذروة ثمة ما يخبرنا بأن الهبوط قادم لا محالة، أقوى الإمبراطوريات بدأت ضعيفة وقويت، إزدادت نفوذا وحدودا….. ثم فنت !!.. ليس ذنبك يا بائع الخضار أنك سليل مجد منهار، ليس ذنبك أنك ابن الصدفة.. وأنك أدركت الخط البياني حال انحدار، عربة لك حطموها.. وعربة صادروها.. وعربة داستها حوافر امرأة تغطرست… ثم كانت الصفعة، قرأت كثيرا عن القشة التي قصمت ظهر البعير فلمت البعير، ألم يستطع – هذا الأحمق – أن يتحمل فوق الحمل قشة؟!.. لكنني لا أستطيع لومك يا ابن الخرائب والعشوائيات، فذاك حمل جديد أضيف إلى أحمال تصاغرت وتواضعت أمامه، ضدك أنا أيها الشاعر.. فلا فأر ولا قرد تذهب به كوابيسه حد الآدمية ليكون “بوعزيزي” بلا عزة تذكر…!!
حلالٌ أنْ يصيرَ الشهدُ مرَّا
حرامٌ أنْ يصيرَ المُرُّ شَهدا
تلك إرادة الطواغيت.. واحدهم قادر أن يحيل العسل القراح حنظلا، الإعلام سيحييه وستذكره كتب التاريخ باعتباره القائد الملهم الذي أحيا فينا معاني التقشف والصبر، ستنتشر أمامك حقول من حنظل علقما للآكلين، في حين يخزن العسل في أقبية القصور لذة لشارب واحد وأهله..
نصيبُكَ أيُّها الغلبانُ لصٌ
سيسرقُ منكَ ما حوَّشتَ وَردا
سجائرُكَ الكثيرةُ.. اعترافٌ
بأنَّكَ لستَ للأقدار نِدَّا
جوارحُكَ المليئةُ.. اكتئاباً
تزيدُ خَوَارَك المهدودِ.. هدَّا
كسادُ طموحِكَ المبتورِ عزماً
قَلاكَ برقعةِ الأوهامِ نَرْدا
فمالَكَ يا ابن أمِّيَ فتَّ خبزٍ
زمانٌ.. كان للأوطانِ عَهدا
فحاولْ حرقَ نفسِكَ في هدوءٍ
لعلَّكَ تحشرُ الفقراءَ جُندا
وتصبحُ كائناً – ما كان شيئا-
يَقدُّ ظهورُهُ الإعلامَ قَّدا
حين احترقت أيها البائس.. لم تكن سوى رقما في الأحوال المدنية يبحث عن مكان مقفر ليدفن فيه بهدوء في انتظار موعد عظيم، لم تعن لهم شيئا، أهملوك حتى جعت.. وأهملوا جوعك حتى احتجت.. وأهملوا حاجتك حتى ذللت.. وحين حاولت بيع الحلال بالكيلو على عربتك ليقيك برد الجوع وقرصة برودهم….. صفعوك..
لم تكن تلك صفعة على وجهك البائس أيها المنسي.. كانت صفعة على وجه الحقيقة لتستفيق من سبات ران عليها منذ حاول آخر مستعصم بالله عبور دجلة لينجو بنفسه تاركا بغداد وراءه تحترق…..!!!
****************
حلالٌ أنْ يصيرَ الشهدُ مرَّا
حرامٌ أنْ يصيرَ المُرُّ شَهدا

