
أبو يوسف وسوق السبت و .. أنا
د. علي المستريحي
زيارة سوق السبت الشعبي ذيل كل أسبوع هواية كنت أهتويها .. ألبس أبسط الثياب وأتجول طائفا بين الباعة الذين يفرشون حصائرهم على الأرض ويفتحون نوافذ قلوبهم النقية للناس وعلى الرصيف .. لا أذكر يوما أنْ كانت لي حاجة حقيقية بالشراء، فالدراجات الهوائية الصغيرة ذات العجلات الثلاث التي أشتريها لا يعبأ بها أطفالي الذين كبروا وبدأوا يودعون عمر الطفولة، وبذور البريلا لطيور الحسون وأقراص الفيتا لأسماك الزينة العاشبة التي كنت أشتريها لم يكن لدي أصلا طيور ولا أسماك لتأكلها! لكني كنت أجد متعة لا تضاهيها متعة وأنا أفاوض بائعا ستينيّا أكل الدهر منه سنينا من تعب العمر ولم يذر له الكثير من رغد العيش، أفاوضه على سعر لعبة أطفال يطلب ثمنها دينارا، فيرضى تحت الحاحي وتفاوضي العنيد بنصف دينار، فأناوله الثمن دينارا كاملا ثم أمضي وقلبي يضحك ويبتسم ويكبر فيتسع سوق السبت كله .. فأسرق نظرة للرجل من وراء ظهري خلسة، فأجد عينية تتبعاني ويحملاني برفق وتملأ وجهه الدهشة والحيرة والمحبة .. مشهد أكرره كل مرة مع كل بائع، حتى أن بعضهم بدأ يعرفني وجها، فلم يعد يتكلف التفاوض، وعند سؤالي عن السعر، يبتسم ويجيب: “لك مجانا”، فألحّ لأعرف السعر لأناوله ضعفه وغالبا يزيد .. كل من عرفني من الباعة بسوق السبت الشعبي لم يحاول ولو مرة أن يرفع سعر بضاعته، فيستغل هذه الظاهرة الشرائية الغريبة و”المجنونة” لدي!
كان أبو يوسف أحد هؤلاء الباعة، وممن ألفني منهم جيدا، فلم تخلُ جولة تسؤّقية لي من أن أطوف به. كنت كلما تتكدس لدي الأشياء أعيدها إليه دون مقابل، فيبيعها ثانية ويكسب ثمنها ويبتسم برفق. مع الوقت، لم يجد أبو يوسف غضاضة من أن يقصّ عليّ حال يومه وأدق خصوصيات بيعه، ومن أين أتته البضاعة، وكم يكسب بكل قطعة، وكيف يعيش ثنايا يومه، ولكنني لم أجده يوما متذمرا أو شاكيا، بل كان دائم العفوية والابتسام، وأحيانا يجود عليه الزمن فيداعبه بطرفة عابرة، فيضحك لها قلبه وتهتز لها عيناه وتخضرّ لها يداه!
أبو يوسف مع “الحمد لله” صديقان لا يفترقان، كأنهما توأمان خلقهما الله من رحم واحد! أبو يوسف ومَنْ بمثله هم أنقى البشر، هم أرفع الناس عفة، وأحمدهم شكرا لله، وأطيبهم نفسا وأكثرهم رضى! رفقا بأبي يوسف بزمن الكورونا وبكل زمن.

