
لم يأتِ مراسل الجزيرة حسن الشوبكي بمشاهد من مخيلته لإتمام تقريره الذي اثار الكثير من السخط والغضب بين الأردنيين، رغم اختلافنا على مهنية اظهار “المنسف” باعتباره صاحب “كلمة الحسم” في الانتخابات البرلمانية التي باتت قاب قوسين أو أدنى.
من المهم فعلا أن نتفق على ان المشاهد لعامل مطعم يصرخ بوجوه الناخبين، هي واقعية، والرجل الذي يأكل بشراهة بكلتا يديه هي أيضا حقيقية، والاهم دعونا نكون واقعيين فكثير من مرشحينا نجحوا فعلا بالمناسف والمال السياسي، وإلا لما كنا اليوم على اعتاب ان نحوّل مجلس النواب الى “نادٍ لرجال الاعمال والبزنس″ كما كتب الصحفي المخضرم محمد داوودية قبل يومين.
أتفق طبعا مع أي شخص يرفض تأطير الناخبين بالـ “منسفجية” فقط.. ولكني لا أرى أن الحملة الشعواء على الشوبكي كانت على مستوى الحدث فقط، ولكنها على ما يبدو “حساسية المنسف” التي تصر صديقة لبنانية على ذكرها كلما شاهدت أردنياً أو أردنية في أي مكان.
الصديقة المدهشة “حنان هاشم” تتحدث دوماً عن “تابو المنسف” في الاردن وهي تتذكر مشروعا كانت تعمل عليه له علاقة بالإعلام والتطبيقات الالكترونية. المشروع كان له نسختين سابقتين للنسخة الأردنية واحدة سعودية وأخرى لبنانية.
الجميلة حنان حين عرضت مشروعها على الأردنيين، وكان حاضرا عنهم شركات كبرى لدعمه، ابدوا لها تحفظات كبيرة على تسميتها واحدا من ابواب التطبيق الالكتروني باسم الاكلة الاردنية الشهيرة “المنسف” بطريقة شعرت بها- حسب تعبيرها- ان المنسف من أهم مقومات الوحدة الوطنية، وليس أكلة اردنية شهيرة وحسب.
من هنا، تعلّم الأصدقاء اللبنانيون مما تقوله حنان درساً ماسيّاً، وهو حصريّاً ما لم يتعلمه المراسل المميز للجزيرة “حسن الشوبكي” خلال سنوات، “إن وصلت الأردن: تمنسف (أي تناول المنسف) قدرما تشاء.. ولكن هذه الأكلة “سرّها باتع″ فلا تمسسها بسوء وإلا رافقك الحظّ السيء حتى تعود”!.
**
هذا على صعيد المنسف، أما الانتخابات فسأكتفي بذكر ما قالته خالة والدي البهيّة والذكية حين سألتُها عن الانتخابات ولمن ستصوّت، أجابت “ولا حدا”.. كان الجالسون كثر وبدؤوا بإقناعها أنها حتى لو لم تُرد انتخاب أحد عليها بوضع الورقة بيضاء لتحافظ على نسبتها، فأجابت “وهي راح تضلّ بيضا؟”..
سألوها عن قريب لها ولمَ لا تنتخبه، فأجابت “لو بدهم اياه ينجح بنجّحوه فيي وبدوني”.. وحين قيل لها أن اقتراعها سيبعد أي محاولة لاقتراع اي شخص بدلا عنها اجابت ببساطة انهم “لو بدهم يستخدموا صوتي بستخدموه حتى لو انتخبت”..
احتار دليلي مع الخالة أم العبد.. وأظن الدولة اليوم حيّرت دليل كثر ممن يحاولون العمل معها على تحفيز الناخبين.
**
يثبت الاحتلال الاسرائيلي مجددا أننا جميعاً أمام بندقيّاته سواء، لا فرق بين شرقي النهر وغربيه إلا بمدى رؤيته لمن يمر أمام الجبناء من رجاله، فيطلق رصاصات الغدر مجددا إلى صدرِ شابٍّ كركيّ لم يردعه وجود السلاح عن صلاة الجمعة في الاقصى الشريف.
قناة رؤيا واكبت الحدث، على استحياء كما فعلت شاشة التلفزيون الرسمي، بتقارير هنا وهناك من تلك التي لا تتجاوز دقيقتين، متناسية أننا أمام عدوٍّ لا يمكنه أن يكون إلا خسيسا لا يفرّق بين عرق ودين وجنسية أردنية أو فلسطينية.
فكلنا أمامه سواء والحجج الواهية حاضرة، فالشهيد سعيد العمرو حاول طعنهم، والشهيد رائد زعيتر لكم أحدهم، وكل شهداء فلسطين اعتدوا عليهم بينما كانوا هم يحملون أغصان الزيتون ويجولون بها الطرقات المختلفة.
لعنة الله عليهم.. وعلى كل من تواطأ معهم واستتر..
أمّا مسؤولو الحكومة الأردنية فليرتاحوا وينعموا بالعيد ويختفوا أكثر عن الشاشات والمنصّات.. فالعرس عند الجيران.. وهم ليس لهم من عرس الشهيد إلا ضجيجاً يصمّ آذانهم.
**
يتألق النجم المصري أشرف عبد الباقي في مسرحياته المتتابعة تحت عنوان “مسرح مصر” والذي تبثه اليوم شاشة MBC مصر، خصوصا وهو يبتعد بخفّة عن المحظورات السياسية التي وقع فيها كثر من الممثلين المصريين.
بالمقابل فالمسرحيات بعكسها للواقع، أبرزت عددا هائلا من المشكلات الشعبية لدى “أم الدنيا” والتي بدا من أهمها رؤية المصريين للمنظمات الحقوقية في واحدة من الحلقات التي تتحدث عن الاخيرة باعتبارها “مفترية” على مراكز التوقيف وجهاز الشرطة.
المسرحية عالجت بذكاء النظرة السائدة، فأظهرت البيروقراطية التي تسود مراكز التوقيف، وبعض “العبط” لدى بعض رجال الامن وفساد بعضهم الاخلاقي، بالمقابل أظهرت أن رجال المنظمات الحقوقية ذاتهم يصبحون لاحقا “ضحايا” لما يعملون من أجله في تسهيل حيوات المواطنين.
بالنسبة إليّ حلقة من هذا الوزن وبهذا الذكاء، يعيد فيها أشرف عبد الباقي بكل خبرته الألق للمسرح في أرضه المصرية، بنوع من النقد اللاذع السهل الممتنع، والذي يعالج به واحدة من أخطر القضايا التي عرفناها جميعا في مصر البهية..
فلرجال حقوق الانسان “الله” بعد ما يلقونه في حكم “الشرطة”!!
*كاتبة أردنية

