بيتْ نظيفْ جداً

بيتْ نظيفْ جداً
د. جودت سرسك

في ساعةِ عسرةٍ يجلسُ الأبُ بسروالِه المفروطِ من جهة ظَهره وقد تساقطتْ حباتث العَرقِ كمزرابِ المخيمِ يوم شتاءٍ عاصف على صفيحةِ الزينكو ،تساقطتْ مع حبات العرق بعضُ قطرات أنفِه على أُظفَر قدمِه المكسور في مَحجرٍ كان يمارس فيه رِزقَه،راح يرقُب كلَّ شيء في حظيرتِه الحانية ،فرأى لوحة سريالية غجرية تقطُر كعَرَقِه وتفوح ممّا بقيَ مِن تعَب النهار.
الطفل يُداعب أنفَه ويُخرج مِنه شيئا على شَكل كُتَلٍ هُلامية، والبنتُ الصغيرة تقِفُ كالجندي بلا ملامحَ ساعةَ هزيمةٍ وتَحُكّ أسفَل بطنِها، إذ بالتْ ولم تَغتسِل ،والأمّ تنكُش مابقِيَ مِن طعام وسْط أسنانِها الصفراءَ بلا اعتبارٍ لزوجها الذي اعتاد على ما يرى ،وأثناء تلك اللحظات ينقضُّ الولد الأكبرُ حاملا شبشبَ أبيه البلاستيكي الذي ابتاعه مِن سوق الجمعة وهو يصرخ: صرصور، صرصور ،حتى سُمِع صوتُ تكسُّرِ عظامِه مِن على الحائطِ واكتملتْ ألوانُ اللوحة.
حينها رمَق الأبُ لوحتَه وكلَّ زواياها ونفَث مِن معدَتِه صوتَ رأسِ بصلٍ احتساه مع صينية عَدس، ففاح ما شاء اللهُ أنْ يفوح وقال بانفعال :اسمعوا خطاب الرئيس أيها الوسخون.
راح الصمتُ يسود ثمّ راح يُقلّب مذياعَه، فسمع جُملة بصوت رخيم تقول: هُنا عاصمة العَربْ ،التطبيعُ مَرحلةٌ حتميّة وِإسرائيل دَولةٌ صَدِيقة.
أتْبَعَ الأبُ الجملة الرخيمة بصوتِ ما بقِيَ مِن بَصلٍ، بعد أنْ اتكأ على جنبه ليُخفِي الصوتَ الفطري مِن بَطْنِه وراح يُهمهِمُ مُخاطباً لوحتَه وحظيرتَه وقاتل الصرصور ونكّاشة الحطب : ما أطهَركم ما أنظَفَكم .

J_sh_s@hotmail.com

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق