النظام المثالي / د . هاشم غرايبة

النظام المثالي
منذ أن تحول الإنسان القديم من الصيد الى الرعي والزراعة ، وبدأت المجتمعات المدنية الأولية بالتكون ، بدأ معها تفكيره بالمجتمع المثالي ، والقائم على التعاون للحصول على المنتوج الغذائي بدل التقاتل على الإستئثار به .
بعد أن توصل الإنسان الى نظام الدولة خلفا لنظام القبيلة ، كان همه إيجاد عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم لضمان حقوق الطرفين ، طبعا لم يكن الحاكم بحاجة الى ما يحفظ حقوقه ، فهو الذي يمتلك السلطة والقوة ، فانصبت الإجتهادات على ضمان إلتزامه بالعدالة والمساواة بين الناس ، وحقوقهم الإنسانية الأساسية في العيش الكريم والحرية .
كان النظام الديمقراطي الذي تعدّل على مر العصور هو الأقرب الى ذلك الهدف ، لكن التطبيق الحقيقي ظل هو المشكلة ، لأن إغراء السلطة والتشبث بها كان أمرا من الصعب كبح جماحه بالضوابط والمحددات ، فظل التطبيق مشوها ، ومغايرا للمعنى الحقيقي ، الذي يفترض الإمتثال لإرادة غالبية الشعب .
في المقابل كان النظام الإشتراكي الأقرب الى تمثل مصلحة المحكومين ، لكن المشكلة أيضا في التطبيق ، فإغراقه في المثالية واعتماده على الضبط الذاتي المبني على الإلتزام الحزبي ، بديلا عن الحوافز ، جعل نجاحه مستحيلا .
لا شك أن من خلق الإنسان ونوازعه ونقائصه ، كان يعرف مسبقا بالمشكلات التي ستحدث له مع تطوره الإجتماعي والإقتصادي ، فكان أن شرع له الدين كضابط ومنظم لكنه لم ينزله عليه دفعة واحدة ، بل متدرجا متناسبا مع تطوره العقلي والمعرفي ، وبشكل رسالات على أمم محددة ، وكانت أهدافها إصلاحية علاجية لمشكلات قائمة ، وعندما وصل الإنسان الى مرحلة تمكنه من استيعاب الدين ، استكملت تلك الرسالات بالرسالة الختامية المتضمنة التشريعات النهائية ، تماما مثلما لا تستطيع شرح مناهج القانون الدولي والإقتصاد لأطفال في الروضة ، بل تبدأ معهم بمفاهيم أولية وتتدرج في العمق مع نموه العقلي ، ولا تطلب منه الإستيعاب الكامل إلا بعد إنهائه متطلبات جامعية معينة .
لقد كان نزول تشريعات الدين على العرب مع تكليفهم بنشرها على البشر جميعا على خلاف الرسالات السابقة التي كانت محلية ولأقوام معينين ، أما اختيارهم لهذه المهمة العظيمة ، فكان لأسباب لا يتسع مجال هذه المقالة لذكرها .
بحسب طبيعة الإنسان الجدلية ، والتي فطرها الله عليه يوم خلقه ، كان لا بد أن يشكَّ في أن مصدر هذه الرسالات والتشريعات ، هو الله عز وجل ، فرفضها أغلب الناس ، رغم معرفتهم بصدق الرسل وأمانتهم ، وبالمعجزات المرافقة الخارقة لنواميس الطبيعة ، لذلك لم يكن مفاجئا معاداة الدين من قبل أصحاب النفوذ ومن البسطاء على السواء لأن مبادئ المساواة تنتقص من المكتسبات التي تستحوذ عليها مراكز القوى ، أما البسطاء من أفراد الطبقة المسحوقة فالجهل يسيطر على غالبيتهم مما يسهل تحريضهم للوقوف ضد مصالحهم .
لذلك ظل منتهجو الدين والملتزمون بالدعوة له أقلية مضطهدين لكنهم ثابتون في وجه مغريات الإعراض عنه رغم ثقل ذلك عليهم نتيجة للإلتزام بالعبادات جهدا وكلفة ، كما تحملوا الإضطهاد وتضييق سبل العيش لردِّهم كفاراً ، لكن إيمانهم الراسخ وتمسكهم بعقيدتهم قاوم تلك الضغوط الجبارة .
وبحسب طبيعة الإنسان في التعصب لرأيه ، والعُجْبِ بنفسه ، فقد ظل يعتقد دائما ، ومنذ القدم ، أنه يعتنق الأصوب وينتهج الأمثل ، فها هو فرعون يعتقد أن ما يريه لقومه هو الصواب ، وأن طريقته هي المثلى ، وكذلك فعل كل الأباطرة الأقدمين.
ظل المفكرون والفلاسفة يبحثون عن المنهج المثالي حتى ظهر الدين في القرن السادس للميلاد ، فبدأ بالإنتشار سريعا ، لكن وسائل الإتصالات المحدودة جعلت انتقاله محدودا بما وصلته خيول العرب ، حاملة معها الرسالة ، طبعا لم يكن ذلك ممكنا بغير جيوش الفتح الحامية للدعاة ، فالجاهل عدو ما يجهل ولو كان في صالحه .
المؤمن بالله ليس في حاجة لإثبات أن التشريع الإلهي لا يوازيه أي فكر إنساني ، أما الملحد فيعتقد العكس ، لكن اعتقاده نسبي ، أي أنه في عصر الرومان أو الفرس او غيرهم ، فكان اعتقده أن نظام الأباطرة آنذاك كان هو الأصح ، لكنه بعد قرون تغير نظامه الى الأسر الملكية فقال أن النظام أصبح الآن مثاليا ، ثم عاد بعد زمن عندما صارت الأنظمة جمهورية فأصبحت السالفة باطلة والآن مثالية .. واستمرت هذه الحالة تتكرر كلما تغير المنهج الى أن وصلت إلى النظام الديمقراطي الحالي .. ومرة أخرى قال الملحد كلما سبق باطل وهذا هو النظام الأمثل وهو الأجدر بأن يتبع … من ذا الذي يضمن أنه لن يتكرر المشهد ذاته مع كل اجتهاد جديد !؟
بالمقابل التشريع الديني ثابت لم يتغير ، ليس لأنه جامد غير مرن ، بل لأنه صادر عن حكيم لا تعجزه معضلة ، وخبير لا يحتاج للتجريب ، وهو عليم بطبيعة الحالة وبما ستتطور إليه فيما بعد .
– للإطلاع على المزيد من انتاج الكاتب يرجى الدخول على صفحته على الفيس بوك : صفحة الدكتور هاشم غرايبه

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق