ليـُخرجن الأعز منها الأذل /جروان المعاني

أما والله لئن رجعنا إلى المدينة لينادين المنادي يا للأنصار، يا للمهاجرين! تلك مكون اساسي من مكوناتنا الفكرية كمجتمع عربي، حيث كان التكتل وراء القبيلة، وهاهي اليوم تصغر لنتكتل خلف فخذ من افخاذ العشيرة، هكذا كان الموقف بين الانصار والمهاجرين وحين سمع بها الرسول محمد عليه السلام امر المنادي ان ينادي بالناس دعوها فانها منتنة . هي دعوى الجاهلية الاولى، يقتل الرجل اخاه فيأتي الثأر على شكل طفل كبر فيمنحه الأهل سلاحا لينتقم فيقتل خمسةً ثأراً بأبيه فتحيا المشكلة اعواما واعوام وتتشرد العائلات، ويهجر الكثير اوطانهم وقراهم لرفضهم الانطواء خلف الفكرة المتخلفة فيصبح عالي الصوت منهم والرافض لهذا التخلف متمرداً . في رواية طويلة تتحدث عن سيرة ذاتية لشاب تمرد على اعراف القرية فهجرها طوعا وغصبا الى المدينة، وتصور الرواية الاوضاع الاجتماعية والصراعات القبلية وانعكاساتها السلبية على الاطفال والشباب في المدارس وفي الرواية : (كانت وما زالت بيئة القرية البسيطة الممتلئة بالتناقضات وعدم الشعور بالحرية او الاستقلالية من دواعي السخط لدى كثير من الشباب، وكانت تجربة تحفيظ القرآن الكريم غصبا واستخدام اسلوب الترهيب المبكر من قبل المعلمين المتدينيين سببا في كره كثير من الطقوس الدينية، وفي المدارس القروية كان الطلبة ممنوعين من قراءة اشعار نزار والسياب، فامين المكتبة منتظم بجماعة الاخوان، واخاه ايضا معلما للعلوم في نفس المدرسة وهو من السلفيين، وبرغم ما عرف من تدينهم الا انهم كانوا يمارسون التفرقة بشكل غريب على الطلبة فالطلاب الذين من نفس العشيرة كانوا يحصلون على علامات اعلى من اقرانهم من العشائر الصغيرة، وكذلك برز الصراع جليا بين المعلمين من العشائر الصغيرة والمعلمين من العشائر الكبيرة، وبدورهم الطلاب كانوا ضحية هكذا صراعات… ). تكاد الصورة تنطبق بكليتها على جميع انحاء المعمورة وتظهر في البلدان العربية كافةً ولكن بمسميات مختلفة في بعض المناطق عشائريا وبمناطق اخرى تظهر على شكل جماعات حزبية او دينية او حتى جمعيات ومنتديات، وغالبية الحكومات تعتاش على هذه الصراعات وتبني استقرارها على كسر عظام المتصارعين والصراع بذاته سببه المتنفذون وهم المستفيد الاول . يتخذ الصراع احيانا من الحق ثوبا له فتعمى البصائر ويُغرر بالشباب ليكونوا انصاراً للحق وواقع الحال انه حق تلبس ثياب الباطل لكنه تزين بالقوة والسلاح، فتقتتل العشائر والفصائل ويطبل الإعلام ويزمر ويخرج الجميع من جحورهم مطالبين بضرورة تطبيق القانون فيُقتل من يُقتل ويُسجن من يُسجن وبقية الجمهور ينتظرون حدثاً آخر ليشبعوه تحليلاً ثم يعلنون موقفهم بانهم سيضربون بيد من حديد كل من تسول له نفسه العبث بالامن والامان . واخيراً ما جرى ويجري بالاردن وفلسطين والشام واليمن والعراق وغيرها من البلاد من قتل لبعضنا البعض تمده ايادي غريبة كلنا يعلمها وذلك برضا ومساندة من الحكومات التي تنشد البقاء على حساب الدم المنساب والبيوت المحروقة حيث تلبس الجلوة العشائرية ثوب اللجوء فتبنى المخيمات بالبلاد العربية لتفرخ جيلا أمياً حاقد على الحياة متحفزا للخروج من أسره في خيمته مستعدا لتفخيخ نفسه انتقاما من الحكومات وممن ظلموه ولتبقى فكرة (ليـُخرجن الأعز منها الأذل) فيموت اصحاب الارض بذُل ويحيا فيها المُحتل عزيزاً ..!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى