
مفهوم المواطنة في الإسلام
مقال الاثنين : 11 / 5 / 2026
بقلم : د. هاشم غرايبه
المعادون لمنهج الله يبررون موقفهم العدائي للدين، بأنه اعتقادهم أنه يفرق في حقوق المواطنة بين المسلم وغير المسلم، ولهذا يرددون مقولة مغرضة بهدف تحييد الدين وجعله شأنا فرديا: الدين لله والوطن للجميع، لكنهم لا يعلمون أن الأمر كله لله، الوطن والدين والخلائق جميعها.
على مر تجارب الإنسان المجتمعية، شكلت الجماعات على مختلف درجاتها وسيلة لحماية الفرد وتأمين احتياجاته، بدءاً من الأسرة فالعائلة فالقبيلة فالأمة، وعندما استقرت التجمعات البشرية الزراعية ثم الحضرية في مناطق محددة، اعتبرتها حمى لا ينازعها على ملكيتها إلا كل معتدٍ أثيم، فصار الإرتباط بهذا الذي دعي وطنا، حقا مقدسا ومُقدَّرا من الغير لأن الوطن بات حقاً للأجيال اللاحقة.
من هنا جاءت الوطنية، وصار من مقتضياتها التوافق وعدم التنازع بين المواطنين لغايات منع استحواذ بعضهم على حقوق البعض، لذلك باتت الوحدة الوطنية وسيلة لذلك وليست غاية بحد ذاتها، إذ أنها مصلحة مشتركة لجميع المواطنين فهي تحقق الوفاق بين مختلف الفئات التي تتقاسم ملكية هذا الوطن، وبغيابها تدب النزاعات ويأكل الأقوى حق الأضعف.
الإسلام تشريع إلهي، لذلك فهو ينظم العلاقات المجتمعية على كل المستويات، ولجميع الأمم، بدءا من علاقة الفرد مع ذاته بحيث يبدأ بالتقوى الذي هو صلاح فردي، ثم يرتقي مع الجماعة أي التقوى الجماعي عن طريق تحكيم شرع الله كونه يمثل العدالة المطلقة، وعندما تشترك الجماعات في الانتماء الى بقعة جغرافية محددة تسمى الوطن، يكتسب مجموع هؤلاء مسمى: مواطنين.
الوطن ليس مجرد ملكية مشتركة للمواطنين، بل إن العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات متطلبا أساسيا لإبقاء ارتباطهم بالوطن قائما، وليس فقط المصلحة المشتركة، لأن تناقض المصالح داخل هذه الجماعة قد يولد ضياع حقوق البعض، فالظلم في الوطن اغتراب، وحينها يصبح متطلب العدالة مقدما على الإنتماء الوطني، فقد يهجر المرء وطنه للعيش في وطن الغرباء إن كان يحقق له العدالة، إذ تصبح عندها الغربة وطنا إن وفرت له الحياة الكريمة.
الحرية هي إحدى منتجات العدالة، لذا يقدم متطلب الحرية على المواطنة إن تعارضتا، ولهذا هجر المسلمون الأوائل موطنهم (مكة) الى الحبشة ثم الى يثرب مرة أخرى، لأنهم حرموا حرية المعتقد في وطنهم.
هنا نصل الى المسألة المهمة: أيهما الأقوى ارتباط المرء بالوطن أم بالعقيدة؟
مما سبق يتبين أن المرء قد يهجر وطنه مرغما، ويغادره متألما وكأنه يتخلى عن قطعة من جسده، لكنه لا يتخلى عن عقيدته مهما كان الثمن، لأنها تمثل حريته في اختيار منهجه، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب مكة وهو يغادرها مهاجرا: “اللهمَّ أنتِ أحبُّ البلادِ إلى اللهِ ، وأنتِ أحبُّ البلادِ إليَّ ، ولولا المشركونَ أهلَكِ أخرجوني لمَاَ خرجتُ منكِ “.
يَعتبر الإسلام الوطن حقا مقدسا، والدفاع عنه إن تعرض الى عدوان فريضة واجبة، وعلى كل مواطن أن يؤديها إن تطلب الأمر منه ذلك، ويعتبر من قُتل دون وطنه شهيدا تماما كمن يدافع عن عقيدته.
إن كل من يقطن هذا الوطن هو مواطن بغض النظر عن دينه وعرقه وجنسه، ما يحتاج للتوضيح هو أن المسلم ملزم بالدفاع عن حياض الأمة التي هي وطن وعقيدة متلازما الإرتباط فلا يمكن الفصل بينهما، فالعدوان على الأمة يكون من عدو ذي عقيدة مناقضة لأن المسلم لا يغزو بلدا مسلما، وعادة ما يكون العدوان طمعا في خيرات الوطن و لتغيير العقيدة معا، ولكن لأن المواطن غير المسلم اختار أن لا يتبع عقيدتها وفضل البقاء على عقيدته، يعني ذلك أنه غير مقتنع بها، فكيف يُطالب بالدفاع عما لا يقتنع به؟.
من هنا جاءت فلسفة الجزية لغير المسلم، فهي مبلغ مالي يؤدى للدولة تعويضا عن الإعفاء من الجهاد ومن الزكاة، ولولا ذلك لكانت مواطنة غير المسلم مميزة عن مواطنة المسلم، لكن بذلك التعويض تتحقق العدالة والمساواة بينهما.