من كلّ بستان زهرة – 117-

من كلّ بستان زهرة – 117 – ماجد دودين

أخلاق الأمراء

قال عبدالله بن طاهر: كنت عند المأمون يوماً فنادى الخادم قائلاً: يا غلام.. فلم يجبه أحد، ثم نادى ثانياً وصاح: يا غلام، فدخل غلام تركي وهو يقول: ما ينبغي للغلام أن يأكل ولا يشرب؟! كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام يا غلام؟ فنكس الخليفة المأمون رأسه طويلاً فما شككت أن يأمرني بضرب عنقه، ثم رفع رأسه وقال للغلام: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى. ثم نظر إليَّ، وقال: يا عبدالله إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمة. وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتتحسن أخلاق خدمنا.

****************

مقالات ذات صلة

الصحابي عمرو بن معد يكرب، يعد من أشجع فرسان المسلمين، لقب بـ “فارس العرب” حيث عرف عنه إنه من أشد الناس قتالا في معركة اليرموك والقادسية، واشتهر أيضا بسيفه “الصمصامة”، وكان عمرو بن الخطاب يقول عنه “الحمد لله الذي خلقنا وخلق عَمْراً، تعجباً من عظم خلقه”، وفى خلال السطور التالية سوف نستعرض ملامح عن حياته الشجاعة وقوته في خوض المعارك.

ففي كتاب “عمرو بن معد يكرب الزبيدي الصحابي الشاعر الفارس” المؤلف عبد العزيز بن عبد الرحمن الثنيان، يتحدث عن الفارس وعن شعره وعن سيفه الصمصامة.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أجود العرب؟ قالوا: حاتم الطائي، قال: فمن فارسها؟ قالوا: عمرو بن معد يكرب. قال: فمن شاعرها؟ قالوا: امرؤ القيس بن حجر. قال: فأي سيوفها أقطع؟ قالوا: الصمصامة. قال: كفى بهذا فخراً لليمن.

في يوم اليرموك حارب عمرو بن معد في شجاعة واستبسال يبحث عن الشهادة، حتى انهزم الأعداء، وفروا أمام جند الله، وقبيل معركة القادسية طلب قائد الجيش سعد بن أبى وقاص مددًا من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليستعين به على حرب الفرس، فأرسل أمير المؤمنين إلى سعد رجلين فقط، هما: عمرو بن معد يكرب، وطليحة بن خويلد، وقال في رسالته لسعد: إني أمددتك بألفي رجل.

وعندما بدأ القتال ألقى عمرو بنفسه بين صفوف الأعداء يضرب فيهم يمينًا ويسارًا، فلما رآه المسلمون، هجموا خلفه يحصدون رؤوس الفرس حصدًا، وأثناء القتال وقف عمرو وسط الجند يشجعهم على القتال قائلاً: يا معشر المهاجرين كونوا أسودًا أشدَّاء، فإن الفارس إذا ألقى رمحه يئس. فلما رآه أحد قواد الفرس يشجع أصحابه رماه بنبل، فأصابت قوسه ولم تصبه، فهجم عليه عمرو فطعنه، ثم أخذه بين صفوف المسلمين، واحتز رأسه، وقال للمسلمين: اصنعوا هكذا. وظل يقاتل حتى أتمَّ الله النصر للمسلمين.

وفى معركة نهاوند، استعصى فتح نهاوند على المسلمين، فأرسل عمر بن الخطاب إلى النعمان بن مقرن قائد الجيش قائلاً: استشر واستعن في حربك بطليحة وعمرو بن معد يكرب، وشاورهما في الحرب، ولا تولهما من الأمر شيئا، فإن كل صانع هو أعلم بصناعته، وقاتل عمرو في هذه المعركة أشد قتال حتى كثرت جراحه، وفتح الله على المسلمين نهاوند، وظفر عمرو في تلك المعركة بالشهادة.

******************

ابتهال

أبيات للشاعر ابن النحوي، وهو يوسف بن محمد بن يوسف التوزري التلمساني

طرقتُ بابَ الرجاءِ والناسُ قدْ رقدوا وبتُّ أشكو إلى مولاي ما أجدُ

وقلتُ يا أملي في كل نائبةٍ يا منْ عليهِ لكشفِ الضرِّ أعتمدُ

أشكو إليكَ أمورًا أنت تعلمها مالي على حملها صبرٌ ولا جلَدُ

وقدْ بسطتُ يدي بالذلِ مفتقرا إليك يا خيرَ من مُدّتْ إليه يد

فلا ترُدَّنها يا ربِّ خائبةً فبحرُ جودك يروي كلَ من يردُ

***************

لا إسراف في الخير

كان الحسن بن سهل مبسوط اليد إلى حد الإفراط في كلّ ما يتصل بأعمال الخير. فكتب إليه أحدهم يقول له: أما علمت أنه لا خير في الإسراف؟!

فأجابه الحسن بقوله: إنّه إذا كان لا خير في الإسراف فإنه أيضاً لا إسراف في الخير).

***************

 قال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها.

 وقال ابن سيرين: ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟

 وقال أبو حاتم: الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها: فإن أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء، وإرادة ضد ما حكم الله جل وعلا لعباده، ثم انطواء الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم، والحاسد لا تهدأ روحه ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عن أخيه، وهيهات أن يساعد القضاء ما للحساد في الأحشاء وقال كذلك: الحسد من أخلاق اللئام، وتركه من أفعال الكرام، ولكل حريق مطفئ، ونار الحسد لا تطفأ.

وقال أبو الليث السمرقندي: يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود: أولاها: غم لا ينقطع. الثانية: مصيبة لا يؤجر عليها. الثالثة: مذمة لا يحمد عليها. الرابعة: سخط الرب سبحانه وتعالى. الخامسة: يغلق عنه باب التوفيق.

***************

قد يعشق المرءُ من لامالَ في يده ويكره القلبُ من في كفّه الذهب

حقيقةٌ لو وعاها الجاهلون لما تنافسوا في معانيها ولااحتربوا

ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب

عبد الرحمن العشماوي

***************

إن الكريم الذي لا مال في يده … مثل الشجاع الذي في كفه شلل 

والمال مثل الحصى مادام في يدنا … فليس ينفع إلا حين ينتقل 

***************

أَرى المَوتَ لا يُرعي عَلى ذي قَرابَةٍ وَإِن كانَ في الدُنيا عَزيزاً بِمَقعَدِ

وَلا خَيرَ في خَيرٍ تَرى الشَرَّ دونَهُ وَلا قائِلٍ يَأتيكَ بَعدَ التَلَدُّدِ

لَعَمرُكَ ما الأَيامُ إِلّا مُعارَةٌ فَما اِسطَعتَ مِن مَعروفِها فَتَزَوَّدِ

عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي

طرفة بن العبد 

***************

فَسَتَنجَلي بَل لا أقُول لعلّها

‏ويَحُلّها من كان يَملِك عقدها

إنّ الأُمورَ إذا اِلتَوت وتَعقَّدَت

نَزَلَ القَضاءُ مِنَ الكريمِ فَحَلَّهَا

أبو يزيد البسطامي

******************

في التعارف قبل اللقاء

لقد سمعنا بأوصافٍ لكم كملتْ … فسرَّنا ما سمعناهُ وأحيانـــــا 

من قبل رؤيتكم نلنا محبّتكم … والأذن تعشقُ قبلَ العين أحياناً 

لقد بلغني عنك في وفائك وفضلك ما يدعوني لخطب ودك ويرغبني في إخائك ويحببني في التوسل إلى معرفة جنابك وإن لم تجمعنا جامعة شخصية ولم تضمنا حفلة تعارف ذاتية إلا أن أحاديث فضائلك الصحاح أوفدت عليك الأرواح قبل الأشباح والولاء والإخلاص قبل الأجسام والأشخاص ولا غرابة في ذلك فإن من سنة الله في خلقه أن يؤلف بين الأرواح وأمثالها وإن لله ملائكة يسوقون الأشكال إلى أشكالها وشبه الشيء منجذب إليه وأخو الفضائل هو المعول عليه. 

إنّ القلوبَ لأجنادٌ مجنّدةٌ … لله في الأرض بالأهواء تعترفُ 

فما تعارفَ منها فهو مؤتلفٌ وما تناكرَ منها فهو مختلفُ

فلذا اصطفيتك لنفسي واخترتك لمودتي وأنسي نتناجى بالضمائر ونتخاطب بالسرائر وإن بعدنا في الظاهر فرب غائب بنفسه حاضر بخلوص نفسه. 

فإنْ أبيتَ ودادي غيرَ مكترثٍ … فعنك ما دمت حياً لا أرى بدلا 

وحاشاك عن مثل هذا الإباء والهجر والجفاء. 

لكلّ امرئ شكلٌ من النّاس مثله … وكلّ امرئ يهوى إلى من يشاكلهُ 

ناشدتك الله أن تقبل مني الإخاء وتضمن لي الوفاء وأنا أرضى بك من الدنيا نصيباً وأختارك من العالمين حبيباً. 

******************

الجهاد أربع مراتب هي: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين.  

فجهاد النفس أربع مراتب:

أحدها: أن يجاهدها على تعلُّم الهدى ودين الحق، الذي لا فلاح لها ولا سعادة لها في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمُه شقِيت في الدارين.

  الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد عِلمه، وإلا فمجرَّد العلم بلا عمل إن لم يضرَّها لم ينفعها.  

الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه مَن لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من البيِّنات والهدى، فلا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله.  

الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كلَّه لله، فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مُجْمِعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى (ربانيًّا) حتى: يعرف الحق، ويعمل به، ويعلِّمه، ويدعو إليه، فمَنْ عَلِمَ وعَمِلَ وعَلَّمَ، فذاك يُدْعَى عظيمًا في ملكوت السماء. [دليل المراتب الأربع سورة العصر.].  

جهاد الشيطان:

وأما جهاد الشيطان، فمرتبتان:

أحدهما: جهاده على دفع ما يُلْقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.  

الثانية: جهاده على دفع ما يلقي إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات.  

فالجهاد الأوَّل: يكون بعدَه اليقين، والجهاد الثاني يكون بعده الصبر؛ قال – تعالى -: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].  

فأخبر أن إمامة الدين إنَّما تُنَال بالصبر واليقين؛ فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.  

جهاد الكفار والمنافقين:

وأمَّا جهاد الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهادُ الكفار أخصُّ باليد، وجهاد المنافقين أخصُّ باللسان.  

وأمَّا جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات، فثلاث مراتب:

الأولى: باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهَدَ بقلبه، فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، و«مَن مات ولم يَغْزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق» [أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.].  

(فصل) ولا يتمُّ الجهاد إلاَّ بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان، والراجون رحمةَ الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة؛ قال – تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218].  

وكما أن الإيمان فرضٌ على كل أحدٍ، ففرضٌ عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله – عز وجل – بالتوحيد والإخلاص، والإنابة والتوكل، والخوف والرجاء، والمحبة والتوبة، وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالمتابعة والانقياد لأمره، والتصديق بخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره؛ «فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» [رواه البخاري في “صحيحه” ومسلم.].  

وفرضٌ عليه جهاد نفسه في ذات الله وجهاد شيطانه، فهذا كله فرضٌ عليه لا ينوب فيه أحدٌ عن أحدٍ، وأمَّا جهاد الكفار والمنافقين فقد يُكْتَفى فيه ببعض الأمَّة إذا حصل منهم مقصود الجهاد [زاد المعاد في هدي خير العباد”، لابن القيم، جـ 2 ص 106- 108.   والله أعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.  

*****************

حوار مع السعادة

قيل للسعادة: أين تسكنين؟

قالت: في قلوب الراضين.

قيل: فبمَ تتغذين؟

قالت: من قوة إيمانهم.

قيل: فبمَ تدومين؟

قالت: بحسن تدبيرهم.

قيل: فبمَ تُستجلَبين؟

قالت: أن تعلم النفس أن لن يصيبها إلا ما كتب الله لها.

قيل: فبمَ ترحلين؟

قالت: بالطمع بعد القناعة، وبالحرص بعد السماحة، وبالهمّ بعد السرور، وبالشك بعد اليقين.

********************

بمَ فتحنا الدنيا؟

نحن لم نفتح الدنيا بأمَّهات ماجنات متحلّلات، ولكننا فتحناها بأمهات عفيفات متدينات، ولم نرث خلافة الأرض بأدب الجنس الشره الجائع، ولكننا ورثناها بأدب الخلُق الثائر والتهذيب الوادع.

********************

الثمرات

لكل فضيلة ثمرة تدلُّ عليها. فثمرة الإيمان العمل، وثمرة الحب الخضوع، وثمرة العلم الخشوع، وثمرة الأخوة التراحم، وثمرة الإخلاص الاستقامة، وثمرة الجهاد التضحية، وثمرة الزهد الكرم، وثمرة اليقين التسليم، فإن لم تكن مع هذه الفضائل ثمارها كانت دعاوى.

****************

خمسة لا يَنْصُرون

لا تنتصر الأمة في معركتها مع أعدائها بخمسة: متهالك على الشهرة، وجبان عند العمل شجاع عند القول، ومغرور يقدر نفسه أكثر مما هي ويقدر أعداءه أقل مما هم، ومُؤثر للسلامة على التضحية، وللحياة على الموت.

****************

خبث النية

خبث نية القائد تقود الجنود إلى الهزيمة ولو كانت نواياهم حسنة، وهذا غير المكر والدهاء والحيل في الحروب؛ فإنها من وسائل النصر على الأعداء.

****************

ذُلّ الشهوة والطمع

كم أذلت الشهوة كرامة الرجال، وكم أذل الطمع أعناق الأبطال!

******************

الإفراط

الإفراط في الحزم ظلم، والإفراط في اللين ضعف، والإفراط في العبادة غلو، والإفراط في اللذة فجور، والإفراط في الضحك خفة، والإفراط في المزاح سفاهة، والإفراط في النوم خمول، والإفراط في الكرم تبذير، والإفراط في الاقتصاد شح، والإفراط في الاحتراس وسواس، والإفراط في الاطمئنان غفلة، والإفراط في الجد يبوسة، والإفراط في الراحة كسل، والإفراط في محاسبة الناس عداء، والإفراط في التسامح معهم ضياع، والإفراط في الغيرة جنون، والإفراط في الإغضاء جريمة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى