
#سواليف
حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من التداعيات الخطيرة للتصعيد العسكري الإسرائيلي الواسع في لبنان، وما يرافقه من تهجير قسري لمئات آلاف المدنيين، وتدمير ممنهج للقرى والبلدات والأعيان المدنية، بما يثير مخاوف جدية من محاولة فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة بالقوة، على نحو يشكل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لوقف الهجمات ومساءلة المسؤولين عنها.
وقال المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم الإثنين إنّه يتابع بقلق بالغ التطورات الميدانية الخطيرة في لبنان، في ظل توسيع الجيش الإسرائيلي نطاق عملياته البرية شمالي نهر “الليطاني”، وتكثيف القصف الجوي والمدفعي على مدن صور والنبطية وصيدا وعشرات القرى والبلدات في الجنوب اللبناني، الأمر الذي أسفر خلال الأيام الماضية عن سقوط مزيد من القتلى والجرحى، ودفع أعدادًا إضافية من المدنيين إلى النزوح شمالًا في ظروف إنسانية قاسية.
وذكر المرصد الأورومتوسطي أنّ الهجمات الإسرائيلية المستمرة على لبنان منذ 2 مارس/ آذار 2026 تسبّبت بمقتل نحو 3380 شخصًا وإصابة أكثر من 10150 آخرين بحسب بيانات رسمية، فيما تجاوز عدد النازحين مليون شخص، مع رصد موجة نزوح واسعة صباح اليوم الإثنين من الضاحية الجنوبية لبيروت عقب إعلان إسرائيل نيتها استئناف الضربات الجوية على المنطقة.
بالنظر إلى طبيعة الاستراتيجية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، فإن التوسع العسكري في الأراضي اللبنانية لا يبدو أنه يقتصر على تحقيق مكاسب تكتيكية مؤقتة، بل يندرج ضمن مسار منهجي قد يهدف إلى ترسيخ وجود وسيطرة عسكرية طويلة الأمد
وبيّن أنّ التوسع في العمليات البرية ترافق مع أوامر مباشرة أصدرها اليوم الإثنين رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” ووزير الدفاع “يسرائيل كاتس” باستئناف الضربات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت بذريعة الرد على انتهاكات وقف إطلاق النار، موضحًا أنّ استهداف منطقة تتسم بكثافة سكانية مدنية عالية، وسبق أن تعرضت لتدمير واسع، يندرج في إطار نمط متكرر من الاستخدام المفرط والعشوائي للقوة، بما يشكل خرقًا إضافيًا لمبدأي التمييز والتناسب اللذين يحظران استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وكذلك شن هجمات يُتوقع أن تُحدث خسائر أو أضرارًا مدنية مفرطة قياسًا بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوخاة منها.
ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أنه، وبالنظر إلى طبيعة الاستراتيجية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، فإن التوسع العسكري في الأراضي اللبنانية لا يبدو أنه يقتصر على تحقيق مكاسب تكتيكية مؤقتة، بل يندرج ضمن مسار منهجي قد يهدف إلى ترسيخ وجود وسيطرة عسكرية طويلة الأمد، وفرض وقائع ميدانية جديدة، بما في ذلك إنشاء مناطق عازلة على حساب سيادة الدولة اللبنانية وسلامة أراضيها.
وأكد الأورومتوسطي أن ما تُعلن عنه السلطات الإسرائيلية من اعتبارات أمنية لا يُعتد به كمسوغ قانوني لاحتلال أراضي دولة أخرى أو فرض سيطرة عسكرية فعلية عليها، إذ إن قواعد القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي الإنساني، تحظر استخدام القوة على نحو يمسّ سيادة الدول وسلامة أراضيها خارج نطاق الحالات الضيقة المقررة قانونًا.
وشدد على أن استمرار العمليات العسكرية وما يرافقها من تدمير واسع النطاق للأعيان المدنية، أو استهداف البنية التحتية، أو التهجير القسري للسكان المدنيين، يشكل، من حيث المبدأ، انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية، كما قد يرقى في ظروفه وسياقه إلى جرائم دولية تستوجب المساءلة الفردية.
وأشار إلى أنّ القوات الإسرائيلية عمدت، بالتوازي مع توسيع عملياتها البرية، إلى إصدار أوامر إخلاء قسرية جديدة وشاملة امتد نطاقها الجغرافي ليصل إلى شمالي نهر “الزهراني”، بما أجبر مئات الآلاف من المدنيين على الفرار من منازلهم وقراهم دون توفير ممرات إنسانية آمنة أو ضمانات لوجود مراكز إيواء مجهزة تلبي احتياجاتهم الأساسية، مبينًا أنّ إسرائيل تستخدم أوامر الإخلاء، في ظل القصف المكثف وغياب الممرات الآمنة ومراكز الإيواء المجهزة، أداة لإجبار السكان المدنيين على الرحيل، وليس بصفتها إجراءً احترازيًا لحمايتهم من العمليات العسكرية. كما أنّ إصدار أوامر الإخلاء على هذا النحو يثير قرائن جدية على ارتكاب إسرائيل لأفعال قد ترقى إلى تهجير قسري محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية إذا نُفذ ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين.
وشدد المرصد الأورومتوسطي على أنّ التحذيرات المسبقة لا تمنح القوات الإسرائيلية ترخيصًا مفتوحًا للقصف ولا تُسقط الحماية القانونية عن المدنيين الذين لا يستطيعون المغادرة أو يختارون البقاء أو يعجزون عن الوصول إلى مكان آمن. كما أنّ وجود أهداف عسكرية مزعومة داخل منطقة مأهولة لا يبرر شن هجمات عشوائية أو غير متناسبة أو استخدام وسائل قتالية ذات آثار واسعة في بيئات مدنية مكتظة.
وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ عمليات التوغل البري وأوامر التهجير القسري تترافق مع حملة تدمير ممنهجة وواسعة النطاق تطال القرى والبلدات الحدودية اللبنانية، إذ تعمد القوات الإسرائيلية عبر استخدام المتفجرات وتجريف الأراضي إلى تسوية الأحياء السكنية والبنية التحتية والمرافق الحيوية بالأرض، على نحو على نحو يفضي عمليًا إلى تغيير المعالم الجغرافية للمنطقة وجعلها غير صالحة للسكن، ويعكس طابعًا انتقاميًا يهدف إلى حرمان المدنيين من حقهم الأصيل في العودة إلى مناطقهم واستعادة مقومات حياتهم وسبل عيشهم واستقرارهم الاجتماعي.
ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ اتساع رقعة العمليات العسكرية وفرض وقائع التهجير الجغرافي يُفاقم بشكل كارثي من الأزمة الإنسانية الشاملة التي تعصف بلبنان، إذ بات مئات الآلاف من النازحين الجدد يواجهون ظروفًا معيشية قاهرة تفتقر للحد الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية، في ظل انهيار القطاعات الخدمية وعجز مؤسسات الدولة والمنظمات الإغاثية عن تلبية الاحتياجات الأساسية المتعلقة بالغذاء والرعاية الصحية والإيواء الملائم، فضلًا عن التأثيرات المدمرة المستمرة على الفئات الأكثر ضعفًا، كالأطفال والنساء والمسنين، الذين يتحملون العبء الأكبر لهذه الانتهاكات المنهجية التي تُسهم في تقويض التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتكريس حالة من اللايقين والخوف المستدام.
وذكر أن تمادي إسرائيل في ارتكاب هذه الانتهاكات الجسيمة، وسعيها إلى فرض وقائع ميدانية قائمة بقوة السلاح، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة العجز المزمن التي تعتري منظومة العدالة الدولية، ولا سيما مجلس الأمن الدولي، نتيجة الشلل السياسي واستخدام حق النقض (الفيتو) بما يحدّ من قدرة النظام الدولي على اتخاذ تدابير إنفاذ فعّالة وملزمة.
وأشار إلى أن الاكتفاء الدولي المتكرر بإصدار بيانات القلق والإدانة، دون اتخاذ إجراءات عملية رادعة أو تفعيل أدوات المساءلة، يسهم في تكريس بيئة من الإفلات المنهجي من العقاب، ويقوّض فعالية منظومة القانون الدولي في حماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات الجسيمة.
كما لفت إلى أن استمرار بعض الدول في توفير دعم سياسي وعسكري أو تسهيلات مادية يمكن استخدامها في سياق ارتكاب هذه الانتهاكات، يثير إشكاليات جدية في إطار قواعد المسؤولية الدولية، بما في ذلك مبدأ عدم تقديم المساعدة أو العون في ارتكاب فعل غير مشروع دوليًا، الأمر الذي قد يرتب مسؤولية دولية غير مباشرة وفقًا للقانون الدولي العرفي، ويسهم في إدامة الانتهاكات وترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب كنهج قائم في التعاطي مع الانتهاكات المتكررة.
ودعا المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي إلى ممارسة جميع أشكال الضغط الدبلوماسي والسياسي والقانوني المتاحة على إسرائيل من أجل وقف عملياتها العسكرية في الأراضي اللبنانية، والانسحاب الكامل وغير المشروط من جميع المواقع التي سيطرت عليها، وضمان امتثالها الصارم لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وشدد على ضرورة الوقف الفوري لجميع أشكال التدمير الواسع أو المنهجي للأعيان المدنية والبنية التحتية، والالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة في إدارة العمليات العسكرية، إضافة إلى ضمان توفير الحماية الفعالة للمدنيين.
وأكد على ضرورة تسهيل العودة الآمنة والطوعية والكريمة للمدنيين إلى مناطقهم الأصلية، وضمان تهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار بما يتماشى مع قواعد القانون الدولي ذات الصلة، دون أي عوائق أو شروط تعسفية.
وحثّ المرصد الأورومتوسطي الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على تجاوز دائرة الإدانات اللفظية واتخاذ تدابير عملية وفعّالة لوقف العدوان العسكري الجاري، بما في ذلك تفعيل أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي المتاحة بموجب القانون الدولي، واعتماد تدابير تقييدية موجّهة بحق المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في إصدار أوامر التهجير القسري واستهداف الأعيان المدنية والبنية التحتية الأساسية، بما يتسق مع قواعد المسؤولية الدولية وآليات المساءلة ذات الصلة.
وطالب المرصد الأورومتوسطي بفرض حظر شامل على نقل أو تصدير الأسلحة والذخائر إلى إسرائيل في الحالات التي يُخشى فيها استخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، انسجامًا مع التزامات الدول في منع المساهمة في أفعال غير مشروعة دوليًا.
وحثّ المرصد الأورومتوسطي على ضرورة التحرك العاجل لتعزيز الاستجابة الإنسانية، وتوفير التمويل الكافي لخطط الإغاثة الطارئة، بما يضمن تأمين احتياجات النازحين الأساسية وحماية مقومات بقائهم، في ظل التدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية في لبنان.
وطالب المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي بتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة في لبنان من العقاب، داعيًا مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية والآليات الأممية المستقلة إلى المباشرة الفورية في رصد وتوثيق الجرائم الدولية المرتكبة، بما فيها التهجير القسري والهجمات العشوائية أو غير المتناسبة والتدمير غير المبرر للممتلكات وفرض وقائع عسكرية طويلة الأمد، وتحديد المسؤوليات الفردية والجنائية عنها، على نحو يؤسس لمسار عدالة فعّال ينصف الضحايا ويضع حدًا للانهيار البنيوي لمنظومة المساءلة الدولية أمام الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة.

