لا تخافوا على الإسلام ولكن خافوا على أنفسكم

#سواليف

لا تخافوا على الإسلام ولكن خافوا على أنفسكم

الشيخ كمال الخطيب

✍️

لطالما أكدنا على اليقين والقناعة والثقة المطلقة بأنه لا خوف على الإسلام بإذن الله تعالى، وأن المستقبل له، وأن كلمة الله كانت وما تزال وستظلّ هي العليا، وأن كلمة الذين كفروا هي السفلى، وأن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار بعزّ عزيز أو بذلّ ذليل.

✍️ إن هذه الطمأنينة واليقين بأن المستقبل للإسلام وأن الصولة والجولة هي له، فإنه لن يغيّرها ولن يعكّرها هذا المأفون العاهر ترامب، الذي يشنّ علينا حربًا صليبية جديدة ويمارس سياسات ومواقف بعيدة كل البعد عن المألوف والمنطق في عالم السياسة والحرب، الأمر الذي يجعلنا نطمئن أكثر إلى أن ترامب وتوقيت رئاسته وما يقوم به ليس إلا تدبيرًا ربانيًا ينفذ الله مشيئته ويقضي به أمره سبحانه {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [44 سورة الأنفال ].

✍️ فمع طمأنينتنا بأن المستقبل للإسلام، وحتى لا نظلّ أسرى تصريحات ترامب وتغريداته وسياساته فيشغلنا بها مثلما يشغل الدنيا كلّها، فإنه لا بدّ لنا أن لا ننسى أنفسنا وانشغالنا بها وتهذيبها وإلزامها بالسير على طاعة الله تعالى، وإلا فإن الأحداث السياسية وتسارعها وكثرتها تجعل الكثيرين يتابعون هذه الأحداث ويعطونها كامل الاهتمام بينما هم مقصّرون في الطاعات وفي الفرائض وفي حقوق الله تعالى، وإذا بنفوسهم مثل قطعة أرض قصّر صاحبها في العناية بها وتنظيفها وإزالة الأعشاب البريّة فإذا بها تتحول إلى أرض مليئة بالشوك.

🔷 الشريك الخائن

✍️ لقد وصف الله تبارك وتعالى النفس البشرية في القرآن بثلاثة أوصاف. فمرّة قال عنها إنها المطمئنة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةَ*ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [27-28 سورة الفجر]. ومرّة وصفها بأنها الأمّارة بالسوء: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [53 سورة يوسف]. وفي مرّة ثالثة وصفها بأنها اللّوامة {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ*وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (1-2 سورةالقيامة).

▪️ أما النفس المطمئنة، فإنها التي سكنت واطمأنت بذكره سبحانه وأنابت إليه واشتاقت للقائه وأنست بقربه. إنها النفس التي رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا. إنها النفس التي اطمأنت أنه سبحانه خالقها ومالك أمرها، وأن مرجعها إليه، وأنه لا غنى لها عنه سبحانه طرفة عين أو أقلّ من ذلك.

▪️ أما النفس الأمّارة بالسوء، فإنها على العكس من النفس المطمئنة، فهي التي تأمر صاحبها بما تهواه من الشهوات واتباع الباطل. فهي مأوى كل شرّ وسوء، وإذا أطاعها صاحبها فإنها ستقوده إِلى كلّ مكروه وقبيح وحرام، حتى أن الله سبحانه قد وصفها بقوله أنها {أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} ولم يقل آمرة في دلالة على صيغة المبالغة لكثرة ما تزيّن لصاحبها فعل السوء.

▪️ وأما النفس اللّوامة، فهي التي تندم على ما فات وتلوم صاحبها على الفعل بعد أن يفعله، لا بل قيل أنها تلوم المحسن إذا لم يزد في إحسانه وتلوم المسيء إذا لم يرجع عن سيئاته.

✍️ ولقد قال النبي ﷺ في بيان أهمية الانشغال بالنفس، وأن لا يشغلنا عنها لا الأحداث السياسية ولا هرطقات ترامب ولا غرور نتنياهو ولا خيانات أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ، فقال ﷺ: “الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني”. وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزيّنوا للعرض الأكبر {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}”.

✍️ وقال ميمون بن مهران: “لا يكون العبد تقيًا حتى يكون لنفسه أشدّ محاسبة من الشريك لشريكه”. ولقد قيل كذلك: “النفس كالشريك الخوّان إن لم تحاسبه ذهب بمالك”.

🔷 عوّد لسانك الاستغفار

✍️ وإن من أعظم مظاهر العناية بأنفسنا وتهذيبها وتنظيفها مما علق بها من شوائب، فإنها المداومة على الاستغفار وإلزامها بذلك. ويخطئ من يظنّ أن الاستغفار لا يكون إلا بعد الذنب والمعصية، بل إنه قد يأتي بعد الطاعة تعبيرًا عن شكر الإنسان لربه سبحانه، وها هو لقمان عليه السلام يقول لابنه: “يا بنيّ عوّد لسانك الاستغفار فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلًا”.

✍️ وها هو حبيبنا ﷺ يعلّمنا كيف كان هديه وسلوكه ﷺ في الاستغفار حتى بعد العبادات والطاعات وهو المعصوم ﷺ، فلم يكن ليذنب ولا ليعصي حاشاه حتى تكون حاجته للاستغفار.

▪️ فكان من هديه ﷺ إذا سلّم من الصلاة استغفر الله ثلاثًا وقال: “اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام”.

▪️ وقبل الصلاة فإنه كان ﷺ إذا فرغ من الوضوء قال: “سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك”.

▪️ وبعد صلاة الليل، فقد وصف الله أصحاب محمد ﷺ والسائرين على دربهم، فانهم كانوا يكثرون من الاستغفار، فقال سبحانه: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [17 سورة آل عمران].

▪️ وبعد الانتهاء من أداء ركن الحج الأعظم وهو الوقوف بعرفات حيث تغفر للمسلم ذنوبه ويعود كيوم ولدته أمه كما قال ﷺ: “إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثًا غبرًا، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم”. وقوله ﷺ: “من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه”، ومع ذلك فإنه الله سبحانه يقول لهؤلاء الحجاج الذين رجعوا كيوم وولدتهم أمهاتهم والذين باهى الله بهم الملائكة: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [199 سورة البقرة].

✍️ وليس هذا وحسب، بل إنه المسلم الذي يذكّر بأهمية الاستغفار حينما يسمع خطيب الجمعة من كل أسبوع، وقبل البدء بتفاصيل الخطبة فإنه يستهّلها بقوله اقتداء برسول الله ﷺ: “إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا”.

✍️ ولعلّه أعظم من ذلك في دلالة أهمية المداومة على الاستغفار، تهذيبًا للنفس بما أمر الله به رسوله ﷺ وقد أنهى مشوار الدعوة بعد 23 سنة، فأنزل الله سورة النصر فيها قوله سبحانه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [سورة النصر].

🔷 اللهم إن النار قد منعتني النوم

✍️ وإنهم الصحابة والصالحون من أمّة محمد ﷺ، فإنهم كانوا يحرصون على تلويم أنفسهم وتقريعها وزجرها حتى تظلّ تسير بهم إلى كل ما يرضي الله سبحانه. فلأنهم كانوا يعلمون أن النفس أمّارة بالسوء، فكانوا يلومونها حتى تتحول بهم إلى الطمأنينة، فعن أنس رضي الله عنه أنه قال: “سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان في حائط له، فكان يحدّث نفسه ويقول: عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين بخٍ بخٍ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك”.

▪️ ومثل عمر بن الخطاب فقد كان الأحنف بن قيس رضي الله عنه، حيث يحدّث سلمة بن منصور فيقول: كنت كثير الصحبة للأحنف بن قيس، فكان عامّة صلاته الدعاء، وكان يجيء بالمصباح فيضع أصبعه عليه ويقول: حُسّ يا أحنف، يا أحنف ما حملك على أن صنعت كذا في يوم كذا؟”.

▪️ وهذا الحسن البصري رحمه الله، وقد كان يقول في تفسير قول الله تعالى {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ*وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (1-2 سورةالقيامة): إنه المؤمن تجده دائمًا يعاتب نفسه، يقول: ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ ومن أين أتاني درهمي وديناري؟ والعاجز يمضي قدمًا لا يحاسب نفسه”.

▪️ وهذا عامر بن قيس فإنه كان إذا صلّى الليل وجلس ليرتاح وقد انتفخت قدماه من طول القيام، فكان يقول لنفسه: “يا نفس بهذا أمرت ولهذا خلقت، يا نفس يوشك أن تذهب الغيابق -أي التعب- قومي يا مأوى كل سوء فوعزّة ربّي لأزحفنّ بك زحف البعير. ثم يتلوّى من الخوف من الله والبكاء كما يتلوّى الحبّ في المقلى، ثم يقول: اللهم إن النار قد منعتني النوم فاغفر لي”.

▪️ ويروي ابن أبي الدنيا فيقول: “كان رجل اسمه ابن الصُمّة، وكان كثير المحاسبة لنفسه. وذات يوم تفكّر في سنوات عمره التي انقضت فإذا هو قد بلغ الستين، فأحصى أيامها فإذا هي واحد وعشرون ألفًا وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: ألقى ربّي بواحد وعشرين ألفًا وخمسمائة ذنب، فكيف وفي يومي أكثر من ذنب؟ ماذا ستقول لربّك يا ابن الصُمّة، ثم خرّ مغشيًا عليه ومات.

✍️ وإذا كان الله تعالى يقول: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [6 سورة الأعراف]، وإذا كان الله تعالى يقول:{لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ} [8 سورة الأحزاب]. فإذا كان الله سيسأل المرسلين وهم المعصومون، وإذا كان الله سيسأل الصادقين عن صدقهم فماذا سيقول المقصّرون والمكذّبون والعصاة والمذنبون؟ ماذا سيكون جوابهم يوم السؤال والحساب.

واحسرتي وشقوتي من يوم نشر كتابيه

واطول حزني إن أكن أو تتيه بشماليه

وإذا سألت عن الخطا فماذا يكون جوابيه

واحرّ قلبي أن يكون مع القلوب القاسية

كلا ولا قدّمت لي عملًا ليوم حسابيه

بل إنني لشقاوتي وقساوتي وعذابيه

بارزت بالزلّات في أيام دهر خاليه

من ليس يخفى عنه من قبح المعاصي خافيه

🔷 لا تخافوا على الإسلام

✍️ إن تلويم النفس وتقريعها ومحاسبتها ومعاتبتها هو سلوك الصالحين من أمة محمد ﷺ لأن في هذا الفلاح كله، بينما اتباع هوى النفس والرضا عنها وعدم مقارعتها فإن فيه الهلاك والخسران المبين.

✍️ وإن من أعظم مظاهر الخسران أن يستكثر الإنسان عمله وأن يستقلل ذنوبه، بينما من أسباب الفوز والفلاح فعل العكس بأن يستقلل الإنسان عمله ليستزيد وأن يستكثر ذنوبه من أجل أن يتوب ويستغفر.

▪️ فهذا ابن الجوزي رحمه الله يقول: “كتبت بأصبعي ألفي كتاب، وتاب على يديّ مائة ألف من أهل الغفلة من المسلمين، وأسلم على يديّ عشرون ألفًا من الكفار ومن أهل الكتاب”. ومع كل هذا العطاء والبذل في خدمة الإسلام، إلا أنه كان يشعر بالتقصير، فكان قبل موته يوصي إخوانه وتلاميذه قائلًا: “إذا دخلتم الجنّة ولم تجدوني معكم فيها -يقصد أنه سيكون من أهل النار- فاسألوا الله عنّي، وقولوا: يا ربّ إن عبدك فلانًا كان يذكّرنا بك” ثم بكى رحمه الله.

▪️ وهذا بكر بن عبد الله المُزني يقول: “لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أن الله قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم”. وكان يقول في عبارة ثانية: “ما أحلى هذا الجمع لولا أني كنت فيهم”.

▪️ وكان مطرف بن عبد الله كذلك يقول في أيام الحج ووقوف الناس في عرفات: “اللهم لا تردّ هذا الجمع لأجلي”.

▪️ وكان محمد بن واسع يقول: “لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إليّ”.

▪️ وكان رجل من الصالحين كلّما رأى شيخًا كبيرًا قال: “هذا خير مني لأنه عبد الله قبلي وأكثر مني”.

▪️ وإذا رأى شابًا صغيرًا قال: “هذا خير مني، لأني عصيت الله قبله وأكثر منه”.

▪️ وكان حيلة بن أشيم يدعو الله ويقول: “اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار أومثلي يجرؤ أن يسألك الجنةَ”.

▪️ أما أبو يزيد البسطامي فكان يقول: “ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى ساقتني إلى الجنة وأنا أضحك”.

فيا حزناه من حشري ونشري بيوم يجعل الولدان شيبا

ويا قبحاه من حزن اكتسابي إذا ما أبدت الصحف العيوبا

ويا حذراه من نار تلظى إذا زفرت وأقلقت القلوبا

فيا من مدّ في كسب الخطايا خطاه، أما آن الأوان لأن تتوبا

✍️ بلى يا رب آن، بلى يا رب آن. فلا تخافوا على الإسلام ولكن خافوا على أنفسكم.

🤲 اللهم وإن كنت محاسبي يوم القيامة فحاسبني بنجوة من حبيبي محمد ﷺ، لأني أستحي أن أكون من أمته وأنا الذي عصيته. {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [40 سورة إبراهيم].{أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [101 سورة يوسف].

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى