غزة بعد ستة أشهر من الهدنة.. معاناة تتفاقم وترّقب لنتائج المحادثات في القاهرة

#سواليف

بعد مرور ستة أشهر على إعلان الهدنة في قطاع غزة، لم تحمل هذه الفترة ما كان يأمله السكان من تحسن في ظروفهم المعيشية أو انفراجة حقيقية في أزماتهم المتراكمة. فبدلًا من أن تكون الهدنة بداية لمسار التعافي، تحولت إلى مرحلة يتعمّق فيها الألم الإنساني، وسط بطء في الاستجابة الدولية وتراجع في زخم الاهتمام.

ورغم انخفاض حدة المواجهات، فإن هذا “الهدوء” لم يترجم إلى تحسن ملموس في حياة الغزيين؛ إذ ما تزال الأزمات الأساسية على حالها، من نقص الغذاء والمياه إلى انقطاع الكهرباء، ما يجعل الحياة اليومية تحديًا مستمرًا.

ويشهد الواقع الإنساني في القطاع تدهورًا متواصلًا، حيث تعاني آلاف العائلات من النزوح أو فقدان المأوى، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية. كما تفتقر مراكز الإيواء المكتظة إلى أدنى مقومات الحياة، فيما تتزايد معاناة الفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال وكبار السن.

ولا تقف الأزمة عند هذا الحد، فالمستشفيات والمراكز الطبية تعمل بإمكانات محدودة، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. ومع تزايد أعداد المرضى والمصابين، تبدو المنظومة الصحية عاجزة عن تلبية الاحتياجات، ما ينذر بتفاقم خطير في الأوضاع الصحية.

اقتصاديًا، لا تزال الأنشطة مشلولة إلى حد كبير، مع استمرار القيود المفروضة على حركة البضائع والأفراد. كما تسهم معدلات البطالة المرتفعة وتراجع القدرة الشرائية في تعميق معاناة السكان، الذين يواجهون صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم اليومية.

ومع استمرار هذا المشهد، تبدو الهدنة أقرب إلى حالة من “تجميد الأزمة” بدلًا من حلّها، حيث تتفاقم الأوضاع الإنسانية، فيما يبقى الاستقرار الحقيقي بعيد المنال في ظل غياب أفق واضح للحل.

من جهته، أكد الناطق باسم الدفاع المدني في غزة، الرائد محمود بصل، توقف الخدمات الإنسانية والإغاثية بشكل شبه كامل، نتيجة استمرار منع إدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مركبات وآليات الجهاز.

وحذر بصل من امتداد الأزمة إلى مجمل المنظومة الخدماتية في القطاع، وعدم اقتصارها على قطاع بعينه، مشيرًا إلى أن تداعيات هذا النقص تمتد بشكل مباشر إلى المستشفيات التي تعتمد منذ أشهر على المولدات الكهربائية في ظل انقطاع التيار.

وأضاف أن هذه المولدات تحتاج إلى زيوت وصيانة دورية غير متوفرة حاليًا، ما يهدد قدرتها على الاستمرار، لافتًا إلى أن الأزمة تشمل أيضًا مولدات الكهرباء المنتشرة في الشوارع، والمركبات العاملة في القطاعات الحيوية، ما ينذر بتوقفها تدريجيًا وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

وشدد على أن نقص قطع الغيار والصيانة أدى بالفعل إلى خروج عدد من مركبات الدفاع المدني عن الخدمة، ما خفّض القدرة التشغيلية للجهاز إلى نحو 10% فقط من طاقته الأصلية، مشيرًا إلى أن بعض المحافظات باتت خارج نطاق الخدمة فعليًا، ما يترك آلاف السكان دون استجابة كافية في حالات الطوارئ.

وأكد أن توقف خدمات الدفاع المدني سيشكل كارثة حقيقية، في ظل الحاجة اليومية المتزايدة لخدمات الإنقاذ والإطفاء والإسعاف والإخلاء، خاصة مع استمرار الخروقات والظروف الإنسانية الصعبة.

وفي السياق ذاته، رصد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بعد مرور نصف عام على الهدنة، ارتكاب “إسرائيل” نحو 2400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، في صورة تعكس استمرار الانتهاكات الميدانية رغم الطابع المعلن للتهدئة.

وأوضح المكتب، في بيان رسمي، أن هذه الخروقات توزعت على 912 عملية إطلاق نار، و97 توغلًا بريًا داخل أحياء سكنية، و1109 عمليات قصف واستهداف، إضافة إلى 273 عملية نسف، ما يشير إلى استمرار النشاط العسكري بوتيرة لافتة داخل المناطق المدنية.

أما على صعيد الخسائر البشرية، فقد قُتل 754 فلسطينيًا خلال هذه الفترة، بينهم 312 من الأطفال والنساء والمسنين، فيما بلغ عدد المصابين نحو 2100، من بينهم 1096 من الفئات ذاتها، مع وصول نسبة المدنيين إلى نحو 99% من إجمالي الضحايا.

كما أشار البيان إلى اعتقال 50 فلسطينيًا منذ بدء سريان الاتفاق، لافتًا إلى أن غالبية المصابين والمعتقلين جرى استهدافهم داخل الأحياء السكنية، وبعيدًا عن مناطق انتشار الجيش الإسرائيلي وفق ما نص عليه الاتفاق، ما يعكس خرقًا مباشرًا للترتيبات الميدانية.

وعلى الصعيد الإنساني، أظهر البيان فجوة كبيرة بين ما نص عليه الاتفاق وما نُفذ فعليًا، إذ لم تلتزم “إسرائيل” بإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات والوقود، حيث سمحت بدخول نحو 37% فقط من إجمالي الكميات خلال ستة أشهر.

وبحسب البيانات، دخل إلى قطاع غزة 41,714 شاحنة من أصل 110,400 شاحنة كان من المفترض دخولها، بمتوسط يومي بلغ 227 شاحنة، في حين ينص الاتفاق على إدخال نحو 600 شاحنة يوميًا، إضافة إلى 50 شاحنة وقود.

ويرى مختصون أن هذه الأرقام تعكس حجم الفجوة بين الالتزامات المعلنة والتطبيق الفعلي، في ظل استمرار الخروقات اليومية، وسط مطالبات بضرورة ممارسة ضغوط دولية حقيقية لضمان تنفيذ بنود الاتفاق، خاصة في شقها الإنساني.

بدوره، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن ما جرى خلال الأشهر الستة الماضية لا يمكن اعتباره تهدئة فعلية، بقدر ما يمثل مرحلة لإدارة الأزمة وتعميقها، في ظل تعثر واضح في تنفيذ معظم بنود الاتفاق، باستثناء ملف تبادل الأسرى الذي نُفذ بالحد الأدنى.

وأوضح في حديثه لـ”قدس برس”، أن الجوانب التشغيلية والخدماتية المرتبطة بالاتفاق شهدت تعطيلًا شبه كامل، مشيرًا إلى أن نسبة الشاحنات التي سُمح بدخولها لم تتجاوز 20% من الكميات المتفق عليها.

وأضاف أن الاتفاق نص على فتح معبر رفح بشكل منظم يسمح بسفر أعداد كافية من المدنيين، خاصة المرضى والجرحى، إلا أن ذلك لم يتحقق، وبقيت حركة السفر محدودة وخاضعة لقيود مشددة.

كما أشار إلى أن القيود طالت إدخال البضائع والمواد الأساسية، بما في ذلك المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، إضافة إلى المواد اللازمة لتشغيل المرافق الحيوية.

وبيّن أن أحد البنود الأساسية في الاتفاق كان يقضي بانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة بعد شهرين من سريان الهدنة، بالتوازي مع نشر قوات استقرار دولية، إلا أن هذا البند لم يُنفذ، نتيجة فرض شروط إضافية أدت إلى عزوف بعض الدول عن المشاركة.

ولفت إلى أن اللجنة الإدارية التي كان يفترض أن تدير شؤون القطاع لم تتمكن من مباشرة عملها ميدانيًا، وبقيت تعمل من خارج غزة، ما ساهم في استمرار حالة الفراغ الإداري وتعقيد إدارة الأوضاع اليومية.

ويرى أبو قمر أن الوسطاء يدركون طبيعة موازين القوى القائمة، وأن هناك قناعة ضمنية بأن الاتفاق يمثل الحد الأدنى الممكن في هذه المرحلة، من حيث خفض أعداد الضحايا ووقف العمليات العسكرية الواسعة.

لكنه حذر من أن هذا النهج يعيق التقدم نحو حلول إنسانية حقيقية، خاصة مع محاولات ربط التقدم في هذا الملف بقضايا سياسية وأمنية، مثل ملف “نزع السلاح”، الذي يُعد شرطًا إشكاليًا.

وختم بالتحذير من خطورة تحول هذه الهدنة إلى واقع طويل الأمد، يتم من خلاله تكريس الأزمة الإنسانية بشكل مستدام، في ظل غياب ضغط دولي فاعل لتنفيذ بنود الاتفاق كاملة، وفصل المسار الإنساني عن الحسابات السياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى