صريعُ الأماني/ ميس داغر

صريعُ الأماني

قاربت الحياة على الانقراض عن وجه الأرض. لم يتبق من البشر في بلادنا سوى قاضٍ يلاحقه معلّمُ مدرسة. القاضي يجرّ نفسه بإنهاك من بقعةٍ إلى أخرى، والمعلّم يزحف خلفه، يتشبّث بثوبه، يتوسّل إليه: “أنصفني قبل الموت يرحمك المولى، لا أريد أن أموت قبل أن اُنصَف مثل بقية الخلائق”. والقاضي يردّد بنفاد صبر: “ما بيدي حيلة، ما بيدي حيلة”.
بينما هما على هذا الحال إذا بالسماء تومض، ثمّ تهبط منها روح مبعوثٍ من الحكومة محمولة على ظهر طائر رُخّ عملاق. حتى إذا أصبح الطائر على مقربة من الرجلين، ترجّلت روح المبعوث الحكومي عن ظهره، واقتربت من المعلّم تبشّره: “لقد أقرّت الحكومة رفع راتبك خمسة دنانير”.
بمجرد تحقّق أعظم أمنية له، خرّ معلّم المدرسة صريعاً في أحضان أهنأ موتٍ على الإطلاق. فيما رفع القاضي ثوبه على رأسه وهرع يتسلّق آخر شجرة على وجه الأرض. حتى إذا وصل قمّتها، تحوّل إلى خفّاشٍ وتعلّق مقلوباً على غصنها. لم ينزل بعدها أبدا.
***
المعلّم إياه، ارتقت روحه إلى السماء تعدّ دنانيرها الخمسة بجذلٍ غير معهود، ثمّ تتلفّت حولها إلى الأرواح السابحة في الملكوت، فلا تجد أبهج منها روحاً سوى روح متسوّلٍ من القرون الوسطى.
***
ظلّ القاضي الخفّاش معلّقاً على غصن الشجرة ألف سنة. متحسّباً من عودة روح المبعوث الحكومي في أية لحظة لإبلاغ قرارات هامة. ولمّا لمح في أحد النهارات طائر الرخّ يهبط من السماء، استَبَقَ القرارات بالتحول إلى ديناصور طائر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى