
“تحديث سياسي أم تعطيل مُقنّع؟ عندما تُغلق البرلمانات وتُؤجَّل صناديق الاقتراع!”
د محمد تركي بني سلامة
ستة أشهر من “الإجازة البرلمانية” في بلد يتحدث صباح مساء عن “التحديث السياسي” ليست تفصيلاً إجرائياً عابراً… بل مفارقة صارخة تلامس حدّ السخرية السوداء. أي تحديث هذا الذي يبدأ بتجميد المؤسسة التي يُفترض أنها قلب الحياة السياسية؟ وأي رسالة تُبعث للمواطن حين يُعلَّق عمل البرلمان، وتُؤجَّل انتخابات البلديات وكأنها ترف قابل للتأجيل، لا استحقاقاً ديمقراطياً أصيلاً؟
لم تعد المسألة مجرد تساؤلات عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى صدقية الخطاب الرسمي. فإما أن “التحديث السياسي” مشروع جاد يُترجم إلى مؤسسات حية وانتخابات دورية، أو أنه مجرد شعار يُرفع في البيانات ويُركن عند أول اختبار فعلي.
البرلمان ليس بناية تُفتح وتُغلق وفق المزاج الإداري، ولا منصة موسمية للخطابة؛ إنه رمز الإرادة الحرة للشعب، والركن الصلب في نظام سياسي نيابي ملكي وراثي. وجوده الفاعل ليس ترفاً، بل شرط توازن واستقرار، وأي تعطيل لدوره هو عملياً تعطيل لواحدة من أهم ركائز الشرعية السياسية.
كيف يُطلب من المواطن أن يؤمن بالمشاركة السياسية، بينما تُغلق أمامه صناديق الاقتراع ويُطلب منه الانتظار “عامين إضافيين” بلا مبرر مقنع؟ الانتخابات—بلدية كانت أو برلمانية أو نقابية—ليست إجراءً شكلياً، بل جوهر العملية الديمقراطية، والوسيلة الوحيدة لتجديد الشرعية وقياس نبض الشارع. فكيف يُبرَّر تأجيلها إلا باعتباره تراجعاً واضحاً عن أبسط قواعد الديمقراطية؟
إن تعطيل البرلمان وتأجيل الانتخابات لا يمكن تسويقهما كخطوات تنظيمية؛ بل هما في الحقيقة تقويض مباشر لمسار التحديث السياسي. فالتحديث لا يُبنى على الفراغ، ولا يتقدم عبر التعليق والتأجيل، بل عبر الاستمرارية والانخراط الحقيقي مع إرادة الناس.
وفي خضم هذا المشهد، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: أين الأحزاب السياسية مما يجري؟ أين دورها المفترض في الدفاع عن الحياة العامة؟ أين مواقفها من تعطيل البرلمان وتأجيل الانتخابات؟ أم أنها آثرت الصمت… أو انشغلت بما هو “أهم” وأجدى من صون أبسط مبادئ العمل السياسي؟
المقارنة مع حكومات سابقة لم تعد ذات جدوى بقدر ما يهم وضوح الاتجاه الحالي: هل نحن أمام مسار إصلاحي يتقدم بثقة، أم أمام إعادة إنتاج لسياسات التجميد والتأجيل؟ لأن ما يحدث ليس إجراءً تقنياً، بل قرار سياسي بامتياز يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع.
بوضوح لا يحتمل التأويل: لا يمكن الجمع بين خطاب “التحديث” وممارسة “التعطيل”. إما أن يُفتح البرلمان فوراً بدورة استثنائية تعيد الاعتبار لدوره الرقابي والتشريعي، وإما أن يُقال للناس بصراحة إن الأولويات قد تغيّرت. وإما أن تُجرى انتخابات البلديات في أقرب فرصة، أو أن يُوضع مشروع التحديث السياسي على الرف دون تجميل أو تسويق.
فالناس لا تبحث عن شعارات… بل عن اتساق حقيقي بين القول والفعل. وحتى الآن، يبدو أن هذا الاتساق هو الغائب الأكبر.




