
#سواليف
منذ بدء وقف إطلاق النار في 29 أيلول/سبتمبر 2025، وسّعت قوات الاحتلال الإسرائيلي ما يُعرف ميدانيًا بـ”الخط الأصفر” باتجاه الغرب، متوغلةً أكثر نحو الأحياء السكنية المأهولة، تحت ذريعة إنشاء منطقة عازلة تمنع اقتراب الفلسطينيين من الحدود الشرقية والشمالية للقطاع. إلا أن هذا التوسع المتدرج يثير مخاوف متزايدة من تحويل مساحات واسعة من غزة إلى مناطق غير صالحة للحياة، في ظل استمرار عمليات التدمير والنزوح.
وخلال الأشهر الماضية، لم يعد هذا الخط مقتصرًا على الأراضي الزراعية المحاذية للسياج الفاصل، بل امتد ليقترب من كتل سكنية مكتظة، ما أدى إلى إخلاء أحياء كاملة شرقي مدينة غزة وشرقي خانيونس ورفح. ومع كل تقدم جديد، تتقلص المساحات المتاحة لبقاء المدنيين، في وقت يعاني فيه القطاع أصلًا من أزمة اكتظاظ خانقة نتيجة النزوح الجماعي.
ويُستخدم “الخط الأصفر” كمؤشر ميداني غير معلن يفصل بين المناطق التي يُسمح للسكان بالتواجد فيها، وتلك التي تعتبرها قوات الاحتلال مناطق عمليات عسكرية أو مناطق عازلة.
غير أن هذا الخط يشهد توسعًا تدريجيًا نحو الغرب، ما يعني تقليص المساحات المتاحة للحياة داخل قطاع يعاني أصلًا من كثافة سكانية مرتفعة وأزمة إنسانية خانقة.
ويرى مراقبون أن توسيع المنطقة العازلة لا يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية التي تطرحها إسرائيل، بل يتجاوز ذلك إلى فرض وقائع جديدة على الأرض عبر إفراغ مساحات واسعة من سكانها وتحويلها إلى مناطق مدمرة أو غير قابلة للحياة.
وقد طال هذا التوسع أراضي زراعية ومنازل وبنى تحتية، ما تسبب بخسائر اقتصادية واجتماعية واسعة، خاصة لدى العائلات التي تعتمد على الزراعة كمصدر دخل رئيسي.
كما خلّف تمدد الخط آثارًا نفسية وإنسانية عميقة، إذ يعيش السكان حالة دائمة من القلق وعدم الاستقرار، في ظل تغيّر حدود الخطر باستمرار. واضطرت عائلات كثيرة إلى النزوح أكثر من مرة، فيما باتت المدارس ومراكز الإيواء مكتظة بالنازحين الذين فقدوا منازلهم أو يخشون العودة إليها.
ويرى مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن ما يُسمى بـ”الخط البرتقالي” يمثل مرحلة متقدمة من إجراءات التقييد العسكري التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة.
وقال الثوابتة إن الخط الجديد الذي يسعى الاحتلال إلى فرضه يمتد إلى عمق أكبر مقارنة بما كان يُعرف بـ”الخط الأصفر”، ويشمل مناطق إضافية كانت تُصنّف سابقًا ضمن النطاقات المأهولة أو القابلة للوصول المحدود.
وأضاف، في حديثه لـ”قدس برس”، أن الخط البرتقالي يختلف عن الخط الأصفر من حيث المساحة، إذ يشهد توسعًا ملحوظًا في نطاق المناطق المقيّدة، بما يقلّص المساحات المتاحة للسكان، ويمتد إلى مناطق داخلية في الأحياء السكنية، خاصة في شمال ووسط القطاع، وليس فقط على الأطراف الحدودية كما كان الحال سابقًا.
وأوضح أن وجود هذا الخط يفرض تشديدًا أكبر على إجراءات المنع والحركة، ويحوّل مساحات واسعة إلى مناطق خطرة ومحظورة عمليًا، يُمنع الوصول إليها.
وشدد على أن هذا الترسيم الجديد أدى إلى تقليص حاد في المساحات القابلة للاستخدام المدني، خصوصًا في ظل الكثافة السكانية العالية.
وأشار إلى أن التقديرات تفيد بأن نسبة كبيرة من أراضي القطاع أصبحت إما محظورة أو مقيّدة بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يزيد الضغط على المناطق المحدودة المتبقية.
ولفت إلى أن الآثار الإنسانية المباشرة تشمل إعاقة حركة المواطنين بين مناطق الشمال والوسط، وفرض قيود واقعية على التنقل الآمن، إلى جانب تسجيل موجات نزوح قسري جديدة نتيجة توسّع المناطق الخطرة، فضلًا عن منع مئات آلاف النازحين من العودة إلى مناطقهم الأصلية رغم محاولاتهم المتكررة، وتعقيد عمليات الإغاثة والوصول الإنساني.
وبيّن أن الترسيم الجديد تسبب أيضًا بمنع أو إبطاء وصول الطواقم الطبية والإسعاف إلى المناطق المتضررة، ما يعرض حياة المرضى والجرحى لمخاطر أكبر نتيجة التأخير أو صعوبة الوصول، إضافة إلى خروج عدد من النقاط الطبية القريبة من تلك المناطق عن الخدمة بسبب الاستهداف أو القيود الأمنية، الأمر الذي يقوض فعالية منظومة الاستجابة الطارئة بشكل عام.
وأضاف أن تداعيات رسم الخط البرتقالي تشمل حرمان المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، ما يهدد الأمن الغذائي، إلى جانب تعطّل أو تدمير منشآت حيوية، بما فيها مصادر المياه والبنية التحتية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية، فضلًا عن الضغط المتزايد على القطاع الصحي مع صعوبة وصول المرضى إلى المستشفيات والخدمات العلاجية.
وطالب مدير المكتب الإعلامي الحكومي المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف هذه الإجراءات التي تمس حياة المدنيين، داعيًا مجلس الأمن والوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار إلى التحرك، إضافة إلى تكثيف التواصل مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لعرض التداعيات الإنسانية الخطيرة.
كما دعا إلى فتح ممرات إنسانية آمنة، وضمان حرية حركة المدنيين والطواقم الطبية، وإدخال المساعدات دون قيود، والعمل على حشد موقف دولي ضاغط لإنهاء هذه السياسات التي تخالف قواعد القانون الدولي الإنساني.
من جهته، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن ما يُسمى بـ”الخط البرتقالي” يأتي في إطار سياسة الاحتلال التوسعية في غزة، والتي تندرج ضمن سياسة قضم المزيد من أراضي القطاع بصورة معلنة وغير معلنة.
وقال أبو قمر إن هذا التوسع التدريجي نحو غرب القطاع يبتلع أكثر من 60 بالمئة من مساحة غزة، عبر فرض غطاء ناري يمتد إلى ما بعد الخط الأصفر، بما يمنع السكان من التقدم نحو تلك المناطق ويجعل الحياة فيها شبه مستحيلة.
وأضاف، في حديثه لـ”قدس برس”، أن الخط البرتقالي “وهمي” من الناحية الجغرافية، لكنه قائم فعليًا بفعل التغطية النارية، بحيث لا يستطيع المواطنون العودة إلى تلك المناطق، وإن عادوا فإنهم يواجهون خطرًا دائمًا تحت وابل الرصاص المتواصل.
وتابع أن هذه الإجراءات تأتي ضمن محاولات الاحتلال للسيطرة على مزيد من الأراضي ومنع عودة الحياة إلى بعض المناطق.
وشدد على أن هذا الإجراء يمثل أيضًا تهربًا من أي استحقاقات تتعلق بوقف إطلاق النار، وكأن الاحتلال يريد القول إنه ما يزال موجودًا على الأرض وقادرًا على فرض ما يشاء داخل القطاع. وأضاف أن ذلك يهدف، خلال أي مفاوضات مقبلة، إلى نقل النقاش من الانسحاب الكامل إلى مجرد العودة إلى حدود “الخط الأصفر”، بدل التراجع عنه أصلًا.
وأوضح أن رسم هذا الخط يضع مزيدًا من العراقيل الميدانية، ويُضعف أي مطالبات مستقبلية تتعلق بانسحاب الاحتلال من المناطق التي تقدم إليها.
