اختيار طريق الحياة . . !

اختيار طريق الحياة . . !
موسى العدوان
يقول المارشال البريطاني مونتغمري، صانع النصر للحلفاء في الحرب العالمية الثانية في مذكراته : ” كان والدي يأمل دائما أن أصبح من رجال الدين، إلاّ هذا لم يحدث. وما زلت أذكر خيبة والدي عندما قلت له، أنني أريد أن أصبح جنديا، ولكنه لم يحاول أبدا أن يبدّل من قناعتي. ولو أنه يستطيع مخاطبتي اليوم لقال لي على ما أظن :
” أن ما اخترته لنفسي في طريق الحياة والانخراط في الجندية، كان أفضل مما اختاره لي. ولو أتيح لي أن أحيا حياتي مرة أخرى، لما تصرفت على غير هذا النحو، ولاخترت أن أكون جنديا “.
* * *
التعليق : تحدث المارشال مونتغمري عن اختياره لحياته، في دولة ديمقراطية تقدّر تضحيات رجالها. أما في دول العالم الثالث وعلى رأسها الدول العربية، فالعكس يطفو على السطح، وتذهب التضحيات وأصحابها أدراج الرياح على قائمة النسيان والنكران. ولنا فيما حدث لبطلي حرب أكتوبر 1973 الفريق سعد الدين الشاذلي، والفريق محمد عبد الغني الجمسي عبرة تشهد على ذلك.
ومن ناحيتي شخصيا، فقد أخترت لحياتي أيضا طريق الجندية، قبل أن أعرف رأي مونتغمري، لأنني كنت متأثرا بما كنت أسمعه عن بطولات حابس المجالي وعبد الله التل – عليهما رحمة الله – في قتالهما مع اليهود في فلسطين فرغبت أن أتبع طريقهما.
كان ذلك بعكس رغبة والدي، الذي كان يفضل أن أدرس الهندسة الزراعية، في كلية خضوري ذائعة الصيت آنذاك. وهو تخصص يناسب بيئتنا الزراعية في الأغوار، ويجنبني المعاناة والمخاطرة التي تفرضها الظروف العسكرية، خاصة وأن الاشتباكات والحروب بين الأردن وإسرائيل، كانت تندلع بين حين وآخر.
ولكنني صمّمت على الولوج فيما اخترته لحياتي رغم ما يكتنفه من مخاطر، وسرت فيه لما يزيد عن 37 عاما. تعرضت خلالها للشقاء والحرمان، وأصبت بجرحين في الدفاع عن الأردن ونظامه. كما تعرضت خلالها لخطر الموت مرات عديدة، ولكن الله سلّم وكُتبت لي الحياة، لكي أشهد بأمّ عيني حالة الأردن بين دول العالم هذه الأيام.
وطالما أنني مواطن في إحدى دول العالم الثالث، فإنني أخالف مونتغمري فيما تمناه وأقول : لو أتيح لي أن أحيا حياتي مرة أخرى، لاخترت طريقا مختلفا عما اخترته سابقا، بعد أن عايشت تلك التجارب المريرة. قد يكون خياري لطريق حياتي : ( الوصولية والفساد )، لأنهما تُسعدان صاحبهما، وتجنبانه الخطر والعثرات هذه الأيام. ولكن سبق السيف العذل . . ولا أسف على ما فات . . !
التاريخ : 14 / 5 / 2026

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى