
أغنية علامكي و شلونكي: جدل فني أم مرآة لواقع ثقافي أعمق؟
د. معن علي المقابلة
أثار الجدل الذي عبّر عنه أبناء الكرك حول أغنية عمر العبداللات عن مدينتهم تساؤلات أوسع تتجاوز العمل الفني ذاته، لتفتح باب النقاش على مسارين: الأول يتعلق بتجربة الفنان نفسه، والثاني بطبيعة المشهد الثقافي والفني في الأردن.
في ما يخص المسار الأول، يمكن القول إن عمر العبداللات اختار منذ بداياته طريقًا مختلفًا عن كثير من المطربين. فقد اتجه إلى الأغنية التراثية الأردنية، وهو خيار ذكي من ناحية الانتشار، إذ إن هذا اللون لا يعتمد بالضرورة على قوة الصوت بقدر ما يستند إلى الأداء الحماسي والقدرة على التفاعل مع الجمهور، خصوصًا في الأعراس والزفات. ومع مرور الوقت، وسّع هذا التوجه ليشمل ما يمكن تسميته “أغاني المناطق”، حيث بات يغني لمختلف المحافظات والمدن، وربما يتجه مستقبلًا إلى تناول مكونات اجتماعية أكثر تفصيلًا.
هذا التوسع لم يتوقف عند الجغرافيا، بل امتد إلى المؤسسات، إذ قدّم أعمالًا موجهة لجهات متعددة، مثل القوات المسلحة، فصار يغني لكل وحدة وتشكيل تقريبًا. يمكن فهم هذا النهج بوصفه محاولة واعية لتعزيز حضوره محليًا وترسيخ مكانته داخل المجتمع، عبر مخاطبة الهويات الفرعية والانتماءات المختلفة.
من زاوية أخرى، تبدو مسيرة العبداللات مثالًا على إدراك مبكر لطبيعة السوق الفني المحلي. فحتى إن صحّت الرواية حول عدم نجاحه في اختبار الإذاعة الأردنية في بداياته، فإن تحوّله لاحقًا نحو الأغنية الوطنية والشعبية شكّل نقطة انعطاف حاسمة في مسيرته. نجاحه الكبير في هذا اللون يوحي بأن المسألة لم تكن مرتبطة فقط بالخامة الصوتية أو حتى بالكلمة، بل بعوامل أخرى، في مقدمتها انسجام العمل الفني مع المزاج العام ومع مفاهيم مثل الانتماء والولاء.
وهنا نصل إلى المسار الثاني، وهو الأكثر إشكالية: هل أصبح النجاح الفني في الأردن مشروطًا بالتحرك ضمن قالب محدد؟ يبدو أن هناك نمطًا سائدًا يربط بين الانتشار وبين تبني خطاب معين، ما قد يفسر غياب أسماء فنية متميزة ظهرت في سياقات أخرى، مثل الجامعات، ولم تجد طريقها إلى الضوء. ولعل مثال الموسيقيين والأكاديميين الذين لم ينالوا حظهم من الانتشار يطرح علامة استفهام حول معايير التقييم والفرص المتاحة.
في ضوء ذلك، يبرز سؤال أكبر: لماذا لا نشهد حضورًا عربيًا لافتًا لكتّاب أو شعراء أو فنانين أردنيين، مقارنة بدول مثل مصر أو سوريا أو العراق أو تونس أو حتى الدول الخليجية والتي تعتبر مجتمعات محافظة؟ هل المشكلة في ضعف الإنتاج، أم في غياب البيئة الحاضنة، أم في تضييق المساحات أمام التنوع الفني؟
ما حدث مع أغنية العبداللات ليس مجرد خلاف على عمل غنائي، بل مؤشر على خلل أعمق في العلاقة بين الفن والمجتمع، وبين الإبداع وشروط انتشاره. وربما يكون هذا الجدل فرصة لإعادة التفكير في شكل المشهد الثقافي الذي نريده: هل نريده متنوعًا يعكس ثراء المجتمع، أم محكومًا بقالب واحد يحد من إمكانيات الإبداع؟


