عندما تتعطل لغة الكلام / منصور ضيف الله

عندما تتعطل لغة الكلام

كانت اياما صعبة ، دمشق تعاني الحصار ، والكهرباء مقننة ، كثير من السلع مفقودة ، والازمة خانقة . استاجرت بيتا صغيرا في السيدة زينب ، ومالكه من جبل العرب ، واغلب جيرتي من مهجري الجولان ؛ عاملين ، وسائقي تكسي ، ومجندين في الجيش . ازقة الحي ضيقة ، يملؤها الاطفال بالصراخ والشتائم ، وتلمؤها النساء بزركشات الملابس ، والسراويل الضيقة ، والثرثرة الهامسة ، والغياب الذي يدحر الحضور عندما ترتحل شمس دمشق الى ما وراء جبال القوقاز .
كل صباح احمل حقيبتي ، وامخر الزقاق الضيق ، وضجيج الباعة ، ورفوف الحمام الى قلب دمشق . اعبر الحلبوني الى ثانوية الاندلس ، والقي حقيبتي ، ثم اتلقى اول دروسي في العلم .
تمر الايام بطيئة ، وتحمل دوما نسائم عمانية ، رطبة لذيذة ، تمسح الوجه ، وتندلق الى الصدر ، وتملأ الشرايين والاوردة فيطير بي الشوق الى عباءة والدي ، ومضافته العتيقة ، وقهوته البكر ، ولمة اعمامي ، وارواحهم الممزوجة بسمرة الارض ، وقمحها . كانت دمشق دمشق ، ملاذ الاحرار ، وملجأ الهاربين ، لم يقتلها تآمر ، ولم يطعنها شقيق ، ولم يخذلها حبيب ، تمد ذوائبها في المتوسط ، وتغتسل ببياض الفجر ولا تتلوث ، تفتح عيونها على كياسة معاوية ، وشجاعة خالد ، وسراج ابن تيمية ، وتحابيره. .
ياسمين دمشق رقيق عجيب ، كثيره منذ آدم ، وقليله هرب من بغداد ، واستنبت حدائق بابلية يملؤها تموز ، ويباركها عشتار . ياسمينة بغدادية اقتلعتها خشية الموت ، ورياح الفكر ، والتزام التنظيم ، ورمت ببياضها وفوح عطرها في شارع الثورة ؛ الدكتورة منال المختار ، سيدة فاضلة ، وام لثلاثة اطفال ، كرست عملها لزوجها وبيتها ، وقهرت الغربة والاقتلاع . جمعتنا الصدفة ، والوجع والرحيل . كانت تنظر الي كبدوي تعصف به الانواء ، وقد تمزقت اشرعته ، وتكسرت مجاذيفه ، والبحر عميق . فاجأتني ذات سؤال : منصور ، صف لي غرفتك ؟ وفاجأتها ذات جواب : كتب متناثرة ، واوراق تغطي الساحة ، واقداح منسية . دقت صدرها بعنف ، اهتزت الطاولة ، وارتجت المزهرية ، وعم صمت ثم انفجرت بقوة : عيني ما يصير ، روح اطلع للشارع ، شوف الصبايا ، تعرف عاوحدة ، حبها ، وتزوجها . كانت علائم الغضب تكسو ملامح وجهها ، وغضب الياسمين موجع موجع . حملت حقيبتها ، اصلحت من خصلات شعرها المتطايرة ، وودعتني باخر كلماتها : نحن من نصنع الحياة ، ونعيشها .
يا منال ، لا ادري اين حط بك النوى ، وما فعلته المقادير ، ولكن من حقك وحق كل امراة ان اقول : أنتن أقرب الكائنات الى الكمال . . أنتن وسط بين الرجل والملاك . ومن منكم لم تكن وراءه امرأة ؟؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى